الحماسة في الشعر أول أغراضه عند الأمم جمعاء، كما أن الحب في الشعر آخر أبوابه كلها وفي الذروة من أغراض الشعراء.
بدأ الإنسان إظهار حماسه بالرقص طرباً بهزيمة الأعداء محاكياً حركاتهم الدالة على الجبن للسخرية منها. فلما وضعت الألفاظ انقلبت الأصوات والصيحات إلى مقاطع ثم إلى ألفاظ، فتدرج الإنسان في إظهار حماسه على سلم الموسيقى والتعبير والغناء حتى صار الشعر إلى ما هو عليه في أدواره الراقية، يجمع من المعاني ما فيه الدلالة على الطبائع الثائرة والنفوس الشاعرة.
يقول بعض الذين درسوا تاريخ الحب إن له ككل شيء أطواراً تنوعت فيها مراميه ومادته.
لقد كان الحب في دوره الأول مادياً فحسب، يقف عند حد التعبير عن الجنس. ثم ينتقل إلى الدور الثاني فيكون تارة مادياً يعنى بوصف الجمال ويتبعه أينما كان، ويكون روحياً طوراً آخر يعنى بجمال العقل والخلق بسبب ذلك ظهور مريم العذراء وما انتشر أثر ظهورها من الافتتان بالعفة والخفر، مما أدى إلى الفصل بين العاطفتين: عاطفة الإعجاب بملاحة القسمات، وعاطفة الهيام بالروح الشماء. فكان الرجل يقترن بزوجة تلد له البنين ثم يقترن معها بأخرى من المثقفات اقتراناً روحياً عنيفاً ما لبث أن جرّ إلى طغيان سيل الفساد، وظل الأمر على هذه الحال حتى ظهور جان جاك روسو وإنشائه روايات بطلاتها يجمعن بين جمال الخلق والخلق، فعرف الناس عندها عقم الفصل بين العاطفتين أو خروج هذا الفصل عما رسمته الطبيعة للبشر، فاتحد الجمال على نوعيه في الشخص المرغوب به، وهذا هو الدور الثالث للحب الحق.
ولما كان الفرد عرضة للتأثر بما مر على المجتمع من أدوار، كان لا بد له من اجتياز أدوار الحب الثلاثة التي ذكرت خلال تسلقه سلم الرقي العقلي. لذلك ترى أمنية الفتى الغِرّ الجاهل تنحصر في الحب المادي وحده لا ينشد فيه غير جمال الجسم والوجه في الفتاة التي يختار، ولكنه إن لم يتزوج حتى


