الذبياني من ندمائه واهل انسه ، فينظم فيها قصيدة او قل ينحت لها تمثالاً كاملاً لا من المرمر والاحجار بل القوافي والاوزان .
ومثلها قصيدة اليتيمة المشهورة التي مطلعها :
| هل في الطلول لسائل رد | ام هل لها بتكلم عهد |
وآخر من نظم من هذا النوع الشاعر الموسوس تامر ملاط .
ويقوم شاعر آخر هو المنخل اليشكري فينظم في حادثة دخل بها على فتاة في اليوم المطير ويصف ماجرى بينها من حوار ، ويتبعه امرؤ القيس فلا يكترث لوصف الجمال بل يكون همه وصف ما يجابه من الاهوال ما اراد اللقاء ، ويعرض للملامح فيصف صورها وللاحاديث فيطنب فيها .
وما اكثر ما قلد العرب اليونان في وصف كيوبيد راشق السهام قال نابغة بني شيبان :
| حل قلبي من سليمى نبلها | اذ رمتني بسهام لم تطش |
وقال اعشى همدان :
| لم يخط قلبي سهمها اذ رمت | يا عجباً من سهمها القاصد |
ومن التماثيل المنحوتة في الشعر ما يعرض للازياء يصف بعض الشعراء رقة الخصر تحت الوشاح واهتزاز القد الاهيف تحت القباء وما يظهر من السوار والخلخال والحلق والاردان والنصف والعقد والهودج والجواهر الى غير ذلك من ملابس النساء ومراكبهن .
واذا كان العرب قد قصروا عن الاسبان واليونان في فن الرسم والنحت فلجدب الصحراء وخلوها من الالوان والغابات وفقدانها المرمر . ولهذا السبب عينه برّ زوافي الادب وهو اصعب الفنون كلها لانه يجمع بينها ويفوقها بتصوير الحركة والحياة اذ ان كل الفنون الجميلة عاجزة عن رسم ما يطرأ على المشهد الواحد من التغيرات الا الادب بل هو يتجاوز ذلك الى وصف الصوت والمشية والانفعالات .
فما تقدم يتضح لنا ان شعراء الجاهلية الثانية لم يتجاوزوا طور الحب الاول على ما تخلله من حوار وقصص ولكن الشعر الاسلامي على وفرة ما تضمنه من الوصف المادي يتخلله الروحي كقول حسان في وصف السيدة عائشة (رض) « حصان رزان ما تزن بريبة » . واكثر الشعراء سموا هم شعراء البدو وزعيمهم جميل بثينة .
وقد جعل العرب للحب في فقه اللغة مراتب : الهوى ثم العلاقة ثم الكلف ثم الشغف ومثله اللوعة واللاعج ، ثم الشغف ، ثم الجوى ، ثم التيم ، ثم النبل ، ثم التدليه ، ثم الهيام . قال مجنون ليلى :
وما اكثر مجانين ليلى عند الامم الشرقية كالهنود والفرس :
| واني لينسيني لقاؤك كلما | |
| لقيتك يوماً ان ابثك ما بيا |
وقال الحسين بن مضر :
| احبك يا سلمى على غير ريبة | |
| وما خير حب لا تعف سرائره |
اما سائر الشعر الاموي الحضري فمعظمه مادي ومثله الشعر في الدولة العباسية .
وقد اشترط النقاد على الشاعر في التشبيب ان يتضمن الكثير من ذكر التشوق والتذكير لمعاهد الاحبة بهبوب الرياح ولمع البروق وما يجري مجراهما من ذكر الديار والآثار اقتداء بامرئ القيس .
كما اشترطوا ان يكون في التشبيب غاية التهالك ونهاية الطاعة للمحبوب ، وان يتضمن دليل التدله والتحير .
وهناك شرط آخر وهو ان يشتمل التشبيب على شدة الصبابة وافراط الوجد والتهالك في الصبوة وشدة الاسف والتحسر ، وأن يكون بريئاً من دلائل الخشونة والجلادة وامارات الاباء والعزة .
قيل لبعضهم ما بلغ من حبك لفلانة ؟ فقال اني ارى الشمس على حيطانها احسن منها على حيطان جيرانها .
وفي اواخر العصر الاموي بدأت الدعابة في الغزل ، وكثرت في العصر العباسي حتى بلغت حد السفه والمجون .
قال ابو نواس :
| يا قمراً ابصرت في مأتم يندب شجواً بين اتراب | |
| لا زال موتاً دأب احبابه | ولا تزل رؤيته دابي |
وللشاعر ما ليس للناحت من القدرة على تصوير محاسن الطبيعة خلال قصائد الغزل وقد سبق ابو بكر بن عبد الرحمن الزهري وهو شاعر مسلمي الاندلسيين جميعاً الى وصف الرياض قال :
| ولما نزلنا منزلاً طله الندى | انيقاً وبستاناً من النور حاليا |
| أجدّ لنا طيب المكان وحسنه | منى ، فتمنينا ، فكنت الامانيا |
وكأني بالشاعر الذي قال :
| انا انت ، انت انا كلانا واحد | |
| صوتان في الدنيا يضمها الصدى |

