كما أن هناك قادة حروب لا يرون في العالم إلا نقاط هجوم ودفاع ومصالح حيوية تنطلق من أنانيتهم لتجر البلاء على العالم، هناك أيضاً قادة إنسانيون قد دبروا الخطط وأحكموا تفاصيلها للهجوم على أعداء الإنسانية من الجراثيم الفتاكة التي تهدّد البشر في صميم كيانهم، ومن هذه الجراثيم: الأنفلونزا.
كان القوم فيما مضى يحسبون هذا الوباء ذبابة من عالم الغيب لتأديب الناس. ولما كان فتكه أشد في برد الشتاء وقد تكررت زياراته للمدن الإيطالية في مثل هذا الفصل، نسبوا منشأه إلى تأثير حالة الطقس فاكتسب هذا المرض اسمه من كلمة تأثير التي يعادلها في الإيطالية لفظة انفلونزا بقلب الزاي سيناً.
على أني رأيت في كلام أحد أطبائنا أن التسمية عربية مأخوذة من «أذى الأنف» فتطورت مقلوبة إلى الأنفلونزا وكلا الرأيين لا بأس بها. بيد أن ما يهمنا هو كيفية التوصل للسيطرة على هذا العدو اللدود.
في سنة ١٩٤٣ انتشر هذا المرض في الولايات المتحدة الأميركية وقد تعالت بسببه الشكوى مما جعل القيادة العليا تفرز له شراذم من الأطباء لمكافحته. وأول ما حصروا فيه همهم استنباط مصل واقٍ فبذلوا جهوداً جبارة توصلوا في نهايتها لتربية جراثيم الأنفلونزا في بيضة الدجاج، فكان هذا الاكتشاف الخطوة الأولى للسيطرة على هذا الداء الوبيل. فبعد أن كان سراً أصبح محسوساً وتحت المراقبة.
وتطوع ١٢٥٠٠ جندي طالب في
ثلاث عشرة جامعة أميركية للمخاطرة في تجربة مصل الأنفلونزا في أبدانهم. فلقح نصفهم بلقاح الجراثيم المميتة وترك الباقون بدون تلقيح. فلما بدأت غزوة الأنفلونزا للجامعات كانت شاملة وقوية واجتاحت ٩ وثلث بالمائة من عدد المتطوعين للتجربة وكان نصيب النصف الملقح ٢ وخمس بالمائة، أما غير الملقحين فوقع بينهم ما ينوف على ٧ بالمائة من الإصابات.
ولقد كانت هذه النتيجة مرضية جداً
لأنها تعني أنه في حومة الوباء هذا، يمكن حماية ثلثي الناس من مرض يترك الجسم البشري بحالة ضعف تعرضه في أغلب الأحيان لتغلغل ذات الرئة فالموت.
وقد عرف الأطباء في هذه الخطوة المباركة أن جرثومة الأنفلونزا ليست فريدة بل جزءاً من «أسرة جراثيم» كل منها يعيث في الجسم فساداً ويُسبب هذا الداء فاهتدوا إلى نوعين من أصل هذه الجراثيم واستأصلوها. فبقي عليهم أن يسيطروا على كل أفراد هذه العائلة الشريرة وعندئذ لا نعجب أن يتخلص البشر من مشاغب كبير على حياتهم.


