لئن كنا قد فقدنا الانسجام بين الجسد والروح ، فلقد فقدنا ، كذلك ، القدرة على التمييز . وما القدرة على التمييز إلا تلك التي من شأنها ان تقيّم الاشياء ، ثم تضعها في محلها من مراتب القيم .
فكان ان اصبح كل شيء ، في نظرنا ، ككل شيء آخر ، لا تميز بينهما إلا بالشكل لا بالجوهر : فإذا الاشخاص تميز بما تكنزه من مال ، او ترثه من جاه ، او تفرضه من سلطان ؛ واذا المبادىء تتميز بما تصيبه من نجاح في عالم الواقع ؛ واذا الاعمال ، اخيراً ، تتميز بما تجنيه من الربح والمصلحة الخاصة .
وهكذا وجدنا انفسنا في مجتمع لا نفوذ فيه الا لذوي المال او الجاه الموروث ، ولا قيمة الا للمبادىء النفعية الوصولية ، ولا تقدير الا للاعمال التي يتوفر من ورائها الكسب والارتزاق . فاذا كانت المغبّة ؟ كانت أننا قد عجزنا عن احتضان ذوي المواهب الروحية والفكرية من ابنائنا ، فراحوا يبحثون عمن يحتضنهم من شعوب الأرض ؛ وأننا قد انصرفنا عن المبادىء التي من شأنها وحدها ان تجعلنا امة حية خلاقة تدخل التاريخ وتشترك في تشييد بناء الحضارة الانسانية العظيم ؛ وأننا قد قصرنا عن القيام بأعمال عمرانية تقدمية جبارة تبني ما تهدم ، وتهدم ما بُني في امسنا على فساد .
أجل ! لقد فقدنا القدرة على التمييز . ولن تقوم لنا قائمة في امر ما من امور الحياة الحرّة اللائقة الحقة ، ما لم نكتسب هذه القدرة على التمييز بين الاشياء . واننا لن نكتسب هذه القدرة ما لم ننصبّ بجهد وألم وتضحية على الدرس والبحث والاستقصاء ، فنتمرّس بالمعرفة ونتدرب على الفهم . فما عرفت عدواً للتمييز مثل الجهل . فنحن لن نستطيع التمييز بين القيم الفاسدة والقيم الصالحة ما لم نعرفها جميعاً . ولقد كان من سوء الطالع اننا ، في هذا البلد ، قلما تسنى لنا الاتصال الحميم بالقيم الصالحة ، ففقدنا ثقتنا بها ، وسمحنا لأنفسنا بالانجراف في التيار : فاذا كنا لا نميز بين الاشخاص فلأننا لم نتعرّف بعد جيداً على شخص عاش وجسّد الفضائل الشخصية كالتواضع والمحبة والحماس والفرح بالألم الروحي العميق ، فأرانا بذلك الفرق بينه وبين من يسود في مجتمعنا من اشخاص ؛ واذا كنا ايضاً لا نميز بين المبادىء فلأننا لم نتعرف بعد الا نادراً على مبدإ نهض بيننا وثابر على تجرده من عنعنات التحزب وفوضى «التسيس» ؛ واذا كنا اخيراً لا نميز بين الاعمال ، فلأننا لم نتعرف بعد على عمل جبار نشأ بيننا واستهدف الخير والحق والحرية ، فنجح وكان له انصار ومؤيدون .
اذن ، فمصيبتنا في فقدان القدرة على التمييز عائدة الى الجهل . واذن ، فخلاصنا لن يتم الا بالمعرفة ــ المعرفة العميقة ، الواعية ، الشاملة ، الحية .
