المدينة - في هذه الغربة عن (الجبل) ، يطرق خاطري الف ليلة من ليالي الشتاء الجبلي ، عليها سلام الله! فواحدة في قعر واد ، وثانية خلف الشجر ، على هضبة ، وثالثة عندنا في البيت ، إلى آخر ما هناك ...
وكيف لي أن أعددها كلها ، وقد انطوت بين يدي الماضي ليلة فوق ليلة !؟ واصبحت أشبه ما تكون بكتاب غير ذي عنوان ، تحفظ مضامينه بالجملة ، لا بالحرف ، ولا بالصفحة ! فأقلب ذلك الكتاب ، في بعض مطالب النفس ، واقنع بالتصفح - كأن المطولات من العبث ، وكان النسيان من اللذة ...
والليل على رؤوس الجبال ، غيره في الشوارع ! فهو ليل السحر والإصداء ، تقرب فيه السماء من الأرض ، حتى تكاد تسمع حركة الفلك في بعض الجوانب ! أو كأن شيئاً يقع من فوق ... ذلك حين يكون الوقت صيفاً ، أما في الشتاء فعندنا الريح والمطر والزمهرير والثلج الأبيض ! ليال شتائية صحيحة النسبة . لا هذه الساحلية المزورة ، التي تدب بلا صوت على الشاطئ . فالجبل بيت الشتاء ، يرفع فيه الكلفة ، ولا يمسك عن رعدة تقهقهه في الجو !
ويا حبذا الجبل تحت الثلج ! بياض فوق خضرة ، وكنز مغطى يجمع أطرافه في الخفاء ، حتى تجيء أيام الشمس ، فتسيل الفضة ويطلع الفيروزج ... والثلج يد بيضاء ! تشرف عليه من نافذة بيتك ، وقد لف الأرض بلون الفرح ، وطال حتى شجرة السرو السوداء ، ونقطها باللؤلؤ ، فتحسب أن الدنيا قد بدّلت : كانت غبراء فإذا هي بيضاء ، وكانت تفاريق ومقاطع فإذا هي بساط واحد !!
●
قلت لأم والدي - وأنا يومئذ طفل أحبو إلى الخامسة - وقد أدارت عيني من وراء الزجاج إلى ما صنع الثلج حول بيتنا ، بعد ليلة شتائية طويلة :
- يا جدتاه عجباً !
قالت :
- وماذا تعجب يا بنيّ ؟
قلت :
- مما فعل الثلج في حديقتنا . فإنه لم


