يبقى فيها من وجه الارض شبر !
قالت :
— وما تراه يهمنا ما دام عندنا من ذلك في البيت الف شبر !
قلت :
— كأنك قد نسيت ما ذكرته لي، منذ ايام، مما كان من حمل الملائك الصغار لعمي، ووضعهم اياه في الارض، عند اطراف الحديقة، في موضع كقيد الشبر ! وكأنك لا ترين الآن ان الثلج في الحديقة قد ذهب بكل شيء ... فغامت عيناها، رحمها الله وفقلت بي عن النافذة، ثم صرفتني عن الكلام. فانه كان لي عمّ رجع الى ربه، وهو ابن سنة من العمر، وكانت جدتي لا تجد عنه سلواناً، بل طالما هجت من حزنها عليه، دون ان ادري، وانا اثب من الفرح في بعض ملاعبه.
ولقد شغل ذلك الميت الصغير خاطري ايام الطفولة، وساورني منه شيء كلهم في حكاية قيد الشبر الذي ينام فيه وراء الحديقة، وقد انجلى وجه الارض، بعد الثلج، واقبلت الشمس كأنها الشعلة ! وكانت يدي في يد جدتي، نتمشى تحت الشجر الملتع. فعاودتني حكاية قيد الشبر وخفت ان ينتهي بنا التمشي الى اطراف الحديقة ... فقلت لجدتي :
— الثلج، يا جدتي، الثلج !!
فنظرت اليّ، وهي لا تعرف ماذا عنيت، ثم قالت :
— تسأل عن الثلج ؟ فهو قد ولّى، وغداً يجيء العشب، وتخضرّ الدنيا، واخرج بك بعيداً.
فلم اجب بكلمة. وكأنني احسست شيئاً كالخوف ! فامسكت عما كان يتضايق به صدري من حكاية الميت الصغير الذي مسح الثلج على موضعه عند نهايات الشجر ! ولكن جدتي كانت فوق ما يوصف من حدة الذهن، فلمحت ذلك. وكأنها تذكرت وقفتنا في النافذة وقولي لها ان الثلج قد
ذهب بكل شيء ... فلم تتمالك حزناً خرج من عينيها في قطرات كبيرة، ثم رفعتني الى صدرها، وعانقتني طويلاً، تريد ان تخفي عني حزازة اثرتها انا بيدي ...
واذكر ان المطر، في بعض الليالي الكانونية، كان ينصبّ على بيتنا في جلبة وقوة. وكانت الريح في اثناء ذلك تصخب وتهضب، ويسمع لها في بعض المنافذ اصوات كأنها حز السكين ! فطاب الموقد في الزاوية بالف جمرة وبألف حديث على الخير الهاطل. وكنت في تلك الليالي من طفولتي لا اشعر بالدفء، ولا احس بالنعاس الا حين يكون نصفي على المقعد ويكون رأسي في صدر جدتي — والطفولة ادرى من غيرها بمواضع الحرارة ... فقالت جدتي :
— اسمع في الحديقة شيئاً كالهدة،
فانقطع الحديث من حول الموقد، حتى لم يعد يسمع الا صوت النار. فقيل لها :
— الليل عصيب، والريح عاتية، فتكون احدى الاشجار قد سقطت الى الارض.
قالت :
— بعداً لهذا الليل، فهو كالزلزال. واذا دامت الحال الى الصباح هكذا، ذهب الليل بكل شجرة في حديقتنا.
فتذكرت قيد الشبر ... وكان العام قد انقضى على حكايته. فنظرت الى جدتي من طرف عيني — كأنني اوميء الى السر الذي بيني وبينها ! فادركت بعد لحظات ان شيئاً يقف وراء لساني واخاف ان
اطلع به. وكأنها علمت، رحمها الله، ان الحديث على سقوط الشجرة والخوف على الحديقة قد نهني الى حكاية الثلج القديمة ... او كأنها علمت اني اهم بالقول لها ان المطر ارحم من الثلج بكثير ! فرفرفت عيناها هنية، ثم شدتني الى صدرها، تريد ان تصرفني عن تلك الفلسفة الحزينة !!
وكم حسرت في التراب !! فلقد قضت جدتي اجلها بعد تلك الليالي ببضعة اعوام واوت في وقار العمر وجلال الماضي الى تربة لينة وراء الشجر، على مقربة من الميت الصغير ...
ثم انطوى على ذلك، في الكتاب الذي لا عنوان له، صفحات كثيفة، ولم يبق في خاطري من حكاية الثلج الا بضعة احرف قد سلمت من المحو، وعاشت على المعاودة ! حتى جاءت ليلة امس، وماجت المدينة بين يدي المطر من رصفات الشوارع الى تلال الرمل — على غير عادة الليالي الشتائية في المدينة. فلما كان الصباح، اطللت من النافذة، وطفلي الى صدري، انظر الى ما فعل المطر في جوار البيت، فاذا الشمس في الحديقة، واذا الورق الجديد نديان يلمع تحت الشعاع، وهو في امان الله — حتى لأكاد اسمع منه حركة النمو ... فتذكرت حكاية الثلج في اوضح ما يكون التذكر. ثم ادرت عيني الى الرأس الصغير، الذي يغلغل في صدري من حذر التحديق الى اللألاء الساطع، واذا الثلج على الحقيقة لا يذهب بشيء ...

