أكثر ما يروقني في محاضرات نادي التعاون، فرضه الموضوع على المحاضرين إذ أن النادي أعرق من غيره بما يهم أعضاءه أو بالأحرى عضواته وبما يستطين من الأحاديث وما يلائم أفكارهن من الموضوعات - ولا أعجب إذا هن انتقين من المواضيع أنفعها وأكثرها تعمقاً في الحياة الاجتماعية. وما النادي الا صورة حقيقية للعمل الجدي النسائي والاستيعاب الفكري والانتاجي في المرأة التي ظن فيها الرجل خطأ: الضعف والتواكل والاستسلام.
ولا أكتمكن يا سيداتي أن الموضوع الذي اخترته لي استهواني فالكلام عن المسؤولية في بلاد لا يشعر فيها أحد بمسؤولية، حلو لذيذ. فهذه المزية الاجتماعية التي لا يستقيم المجتمع الإنساني بدونها هي الركن الأساسي في تقويم المجتمع. فليست القوانين ولا الشرائع، دينية كانت أم مدنية، هي التي تكفل للأقوام الرقي والازدهار. فإذا لم يشعر المرء شعوراً متساوياً في حقوقه ومسؤولياته اختل نظام الحياة وسادت الفوضى إذ أن النظام هو وليد المسؤولية وليس وليد الشرائع.
والفرد نواة الجماعة. فإذا فسد الجزء فسد الكل، وإذا استقام هو استقام المجموع. إذن أصبح مفروضاً على أمة تريد الحياة وتستهدف النجاح والعمران أن تهتم بأفرادها لتجعل من مجموعها كتلة قومية أو أمية تحتل مكانها اللائق بين الأمم الراقية.
الفتاة، وإذا شئت التعميم، المرأة هي عضو في العائلة البشرية متمم لبقية الأعضاء لا تقل عنها وزناً ولا أهمية. ليست المرأة ضلعاً من أضلاع الرجل كما ظن الأقدمون ولا هي مخلوقة لتسليته كما علموا، إنما هي نطفة حية لم يخطر للطبيعة أن تفرقها عن الرجل بل فسحت لها المجال واسعاً لتنمو في بستانها، تتغذى من خيراتها، لتغذي بدورها قابلية الإنسان وتكوّن مع الرجل مجتمعاً أن هي أهملته تحطم مستواه وانعدمت فائدته. أن المرأة إذا تهربت من المسؤولية فسحت مجالاً للرجل لأن ينكر عليها حقوقها، أو اضطرت عندئذ بأن تقنع بما يقر لها به منة وكرماً.
والآن فما هي حقوق الفتاة ومسؤولياتها في عالمها. فإذا خصصنا المتعلمة من الفتيات فهذا لا يعني أننا نريد أن نغمط حق رفيقاتهن اللواتي قضى عليهن سوء الطالع بالحرمان العلمي والثقافي - فالفتاة في هذا الشرق بقيت إلى الآن مهصورة الجناح مهضومة الحقوق محرومة من غذاء الفكر والروح ينظر إليها المجتمع نظرة إلى ألهية يلهو بها أو إلى أنثى يستولدها ويجعل منها مربية للأولاد.
لكن بعد كل غفوة يقظة. وقد بدأ الشرق يستيقظ ودليلنا
على ذلك هذه الحركة النسائية القائمة في أكثر أقطاره. ودخول الفتاة معترك الحياة تناضل في سبيل حقوقها غير متهربة من واجباتها هي أنها ولا شك حركة مباركة نرجو أن تعم كافة الأقطار الشرقية مذلة الصعوبات هازئة بالتقاليد. عندئذ يستطيع الشرق أن يقول للغرب «ها أنذا أنفض عني غبار القديم الذي طالما عبته عليّ فادخل سابقاً كنت فيه المجلي في قرون التاريخ ولن يهدأ لي بال قبل أن أنبش من بطون التاريخ أمجاداً سالفة تعيد إلي السؤدد والفخار» فما هو دورك أيتها الفتاة في العالم الجديد؟ وما هو واجبك وإلى أين تصل المسؤولية المترتبة عليك، وماذا تملكين من الحقوق لبلوغ مآربك.
ربما تكونين أعرف مني بكل ذلك ولكن دعيني أبحث الأمر معك علنا نصل سوية إلى الغاية المنشودة.
لقد أصبح العالم أوسع كثيراً عما كان في الماضي ولا أعني بذلك السعة المادية. فمساحة العالم لم تزد، البحور لم تزل بحوراً واليبس ما زال يبساً، وعدد السكان لم يزد كثيراً بفضل الحروب والكوارث والأوبئة، ولكن العالم زاد اتساعه الروحي والاجتماعي والاقتصادي أو فتحت فيه آفاق جديدة تستلزم مضاعفة العمل لمضاعفة الانتاج. وكان من جراء كل ذلك أن كثرت المطامع وبدأ التزاحم بين الأفراد والشعوب وتباينت نظم الدول والأقوام وكان لا بد من تفكك المصالح والمدنيات والثقافات مما ينذر العالم بالحروب التدميرية أو بالصراع الاقتصادي والثقافي أو «التمديني» على لغة الاستعمار.
أما وقد كثرت ميادين العمل، فمن المستحيل على الرجل أن يستطيع القيام بها كلها. فتطلع إلى المرأة يدعوها إلى المساهمة وتطلعت هي إليه بعين العاتب دون حقد ولا شماتة. والمرأة لا تنقصها عاطفة الولاء والوفاء، وعقد الاثنان الخناصر على القيام بالواجب المشترك للمصلحة العامة.
لم تقصر الفتاة ولا المرأة بالعمل في أثناء الحرب فكان على عاتقها واجبات ومسؤوليات أحسنت القيام بها. فالملايين منهن كن في الخدمة العامة طبيبات وممرضات وكاتبات وعاملات في المعامل وفلاحات في الحقول ومجندات للترفيه ورئيسات عصابات حتى كان منهن اللواتي حملن السلاح أوغرن في الخنادق لا تعوقهن أنوثتهن من خوض المعارك واقتحام الصعاب.
إن خير المثل العليا التي يتطلع إليها العالم الجديد هو النظام


