لم يكن بدّ للتطور الصناعي والعلمي الحديث من التأثير في العائلة لا سيما في أوساط المدن ، التي تزايد عدد سكانها تزايداً مستمراً منذ ان تكاثرت فيها المصانع واخذ القرويون ينزحون إليها للعمل . فتحولت وظيفة الإنتاج الصناعي إلى العمل بدلا من البيت وهذا ما أحدث في الأسرة ميلاً إلى التنقل بعد الاستقرار ونوعاً من التفكك والتباعد بين اعضائها حين أخذوا رجالاً ونساءً يتركون البيت إلى العمل حيث يشتغلون طيلة النهار . وكان هذا الخروج وهذا التباعد خطوة أولى في تحرير المرأة والأولاد من سلطة الرجل. وبانتشار مبادئ الحرية والمساواة والديمقراطية في القرن التاسع عشر نال العائلة نصيب من تأثير هذه المبادئ ، فازداد نصيب المرأة والأولاد من الحرية وتضاءلت سلطة الوالدين وبانتشار مبادئ الاستقلال والحكم الذاتي ازداد استقلال الأولاد في تخطيط مستقبلهم واضطر الرجل إلى مقاسمة زوجته مسؤولية الإدارة البيتية ومشاركتها في أعمال المنزل كما شاركته هي في العمل خارج المنزل لزيادة دخل العائلة.
وبتكاثر أهل الاختصاص وتوسع العلوم على اختلافها ونمو المدارس وانتشار دور الحضانة ورياض الأطفال وترقي الفنون الآلية تحولت وظائف التثقيف واللهو من البيت إلى معاهد العلم ودور السينما والمسرح ، إذ
أصبحت هذه المعاهد أقدر من العائلة على القيام بهاتين الوظيفتين كما ان أهل الاختصاص أقدر من الوالدين على القيام بها .
وبانتشار مبدأ الفردية وارتفاع مستوى الثقافة صغر حجم العائلة واستقل الأبناء المتزوجون عن والديهم ومال المثقفون إلى تحديد النسل ، وتحرروا من القيود التي وضعها قديماً شيوخ العائلة وراعوا فيها مصالحهم دون مصلحة الجيل الجديد .
وأصبحت العائلة العصرية النموذجية صغيرة الحجم ذات بيت صغير لا يسمح بإيواء الأقرباء والضيوف غير المرغوب فيهم. ويمتاز اعضاؤها بالاستقلال النسبي ، فهي ديمقراطية فردية غير شديدة التلاحم والتكتل كما كانت الحال قديماً . وهذه الصفات جميعاً يُنتظر نموها بصورة مطردة في المستقبل .
هذه التطورات الشاملة دفعت بعض الباحثين في الغرب إلى التنبؤ بانهيار العائلة بالمستقبل واشهرهم العالم « مولر لير » الذي يرى في كتابه « العائلة » ان العالم مرّ بدورين دور القبيلة ودور العائلة وقد انقضى هذان الدوران وجاء الآن دور الفرد.
قال الباحث : في عهد النظام الأول كان الفرد يضحي لمصلحة القبيلة وأحياناً العائلة بأسرها . ولا تزال آثار السيطرة القبلية شديدة النفوذ في البلدان الفطرية ونصف المتمدنة . وفي عهد النظام العائلي كان الفرد يضحي بمصلحة عائلته وكانت المرأة أولى بالتضحية من باقي أفراد الأسرة ولا تزال التقاليد العائلية عظيمة السيطرة حتى في الأقطار العربية المتمدنة لكنها أشد سيطرة في البلدان العربية التقاليد كالصين واليابان وسائر الأقطار الشرقية أما الآن فقد دخلنا في دور الفرد وأصبحت مصلحته أولى بالاهتمام والتقديم لأن البيت لم يعد هو الغاية المنشودة بل سعادة الفرد وهناؤه .
ويرى الكاتب ان هناك اسباباً أخرى - فضلاً عن الأسباب الاقتصادية - تهدد العائلة بالانهيار . منها ان العلاقات الودية التي يعقدها الفتيان والفتيات خارج دائرتهم العائلية تعادل العلاقات العائلية ان لم تفقها أهمية وثباتاً. ثم ان قيام الاختصاصيين في التربية قد حدّ من وظيفة الوالدين ومثل ذلك موجة تحديد النسل التي تطغى على المتمدنين في العصر الحاضر .
وهناك من يعتقدون بأن العلم سوف ينجح في تخليص المرأة من مشقة الحمل والارضاع بواسطة التوالد الاصطناعي .
وبأن المجتمع سيتولى أمر الاهتمام بالأولاد. ودليل ذلك ازدياد دور الحضانة والأحداث وشدة الإقبال عليها . وهي تجربة بلغت فيها روسيا شأواً بعيداً موفقاً . ( انتهى قول مولر لير )
على أن هنالك من يقفون من مستقبل العائلة موقفاً إيجابياً ويرون أن العائلة وان تطورت فهي ثابتة لا تموت وانه من الواجب ان ندعم بقاءها بتدريس الوالدين اصول التربية والخدمة المنزلية فالأم اذا اتيح لها هذا الدرس تصبح أفضل من الاختصاصيين