يا فلذة الكبد من جسمي ، ويا إشعاع الامل المطلّ من روحي ، أناجيك !
فهل يخفق قلبك لصوت كسير ، ينفذ في الافق البعيد الواسع ، علّه يصل الى جوارحك البريئة الطاهرة ؟
يا بسمة الرجاء في امانيّ ، ويا طيف الهناء في احلامي ، هدّني البعد عنك ، ومزق اضلاعي الفتية حرماني منك .
يربك قل لي : هل كان القضاء لك عذولا ، فرفع بيني وبينك اسوار الفرقة ، ليستأثر بي ويجعل من نفسه قفصاً ضيقاً لروحي ؟
في الليالي البهيمة السوداء ، انتقلب في فراشي على جمر الشوق ، وتثور في ضلوعي مرارة الحنين ، وتضطرم في عاطفتي نار الجوى والبعد ، فيتهالك قلبي الحزين على نفسه ، ويتضاءل حسّي باضطراد حسه ، وانه ليغيب ، فأخاله مفترباً من رمسه ...
يا ضياء عينيّ ، وعلة الخفقة الحيّة في جنبي ، وسكرة النغم الطروب في اذنيّ ، أين مني الرحيق البكر في شفتيك ، وأين مني الشهد النديّ متبلوراً على وجنتيك ؟!...
غداً ، لن تذكر يوم ودعتك لاول مرة ، ولم تكن لتبلغ العام الواحد من عمرك - بعد ان رمتني ضرورة العيش بسهامها الصائبة ، فقضت ببعدي عنك - اذ تنافر الدمع من محجريّ الضنينين ، فأصابت دمعة حرّى منحدر خدك ، وكأنها دوي النفير لدمعك ، فذرفته وادعاً ، وانزويت بوقفتك حسيراً ، وغمغمت شفتاك بخفوت فاجع ، نداء الابوة المنبعث من اعماق نفسك الطاهرة ، وأشحتَ بنظرك عني لتتفادى تلاقي النظرات ، وتوقف في عينيّ ثورة العبرات
وانني لا ازال اذكر اذ تنهدت تنهيدة ذي قلب كسير ، وصدر مهموم ، فزدتَ في قلبي لواعج الفرقة ، وانحدرتُ على سلم البيت بعد ان طبعت قبلة الرضى على جبينك المشرق ، ويدي تصافح يد أمك بحرارة تسترحم ، واسترحام يستشفق ، فوقفت الدمعة في مآقيها ، وتلألأت ، وافترّ ثغرها عن ابتسامة تُطمئن ، ومرارة تهيج كوامن العطف .
يا بني ! أنا بعيد عنك ، يطفح قلبي بالحنان المكبوت ، وتطفح نفسك بالشوق الى الحنان .
وانني لاراك ، بعين الخيال ، تحاول ان تُطرب وتَطرب ، وفي قسمات وجهك افترار عن شحوب النأي ، وفي مسمّر نظراتك ارادة لا يعوزها العزاء عن حرماني منك .
وانه ليكفيني ان اراك بعين بصيرتي ، وفي مسرح احلامي ، كما اشتهي ان اراك لو كنت بقربك . ويكفيني انني استيقظ في غربي كل صباح على صوتك العذب يرنّ في اذني قاهراً بُعد المسافات ، منادياً مني جريحة الروح !...


