خرج الخليفة متنكراً يتفقد حال رعاياه، فقادته خطواته الى دار فخمة لتاجر غني يدعى ابا الحسن الخراساني. ولحظ الخليفة ان جميع اواني البيت موسومة باسم جده المتوكل فاحفظه ذلك. ثم اظهر نفسه للتاجر وامره ان يبين كيف وصلت تلك الاواني الى داره. فقص التاجر عليه قائلاً، انه في ذات يوم اقبلت على دكانه جارية لم ير في حياته اجمل منها، وبعد ان تأكدت منه انه ابو الحسن الخراساني طلبت ان يزن لها ثلاث مئة دينار، فامر خادمه بان يزن لها المبلغ وسلمها اياه دون ان يسألها عن شأنها. وما ان اخذت المال حتى سارت وابو الحسن مأخوذ بسحر جمالها بحيث انه افاق من غفلته بعد ان توارت عن ناظريه، فامر خادمه ان يلحق بها ليعرف من هي وما شأنها، ولكن سرعان ما عاد الخادم يخفي حنين بعد ان صفعته صفعة تركت اثرها على وجهه.
ومضى شهر على ذلك، واذ بالجارية تعود ثانية وتطلب ثلاث مئة دينار اخرى، فلم
يقو ابو الحسن على رد الطلب، فاخذت المبلغ وقفلت راجعة من حيث اتت دون أن ينبس هو بنت شفة. وبعد مرور شهر وبعض الشهر، عادت الحسناء للمرة الثالثة وطلبت خمس مئة دينار فكان لها ما ارادت، ولكن ابا الحسن تبعها الى ان عرجت على حانوت صائغ حيث ابتاعت لها عقداً ثميناً من الجواهر بلغ ثمنه الف دينار. واذ لم يكن لديها من الثمن سوى الخمس مئة الدينار التي كانت قد اخذتها من ابي الحسن، قال للصائغ انه هو مستعد لان يدفع له الباقي، فاخذت الجارية العقد وسارت نحو دجلة وكان صاحبنا يتبعها كالمشدوه لفرط ولهه بها، حتى اذا ما بلغت ضفة النهر، امتطت متن زورق كان بانتظارها ليقلها الى الضفة المقابلة، وظل صاحبنا يتبعها بصره رغم ارادته حتى نزلت امام قصر الخليفة ودخلته،
فعلم عندئذ أنها من حسان القصر ومحظيات الخليفة. واني له الفوز بها وهي من جواري الخليفة فأن دون بغيته الموت الزؤام، فعاد ادراجه حزيناً كئيباً حتى انه قضى ليله نديم السهاد وحليفه الوجد المضني.
وكان لابي الحسن عميل وصديق اكسبته السنون وظروفها التجارب والحكمة فعمد اليه وكشف له سره علّه يساعده على نوال مأربه ويخفف من شدة وجده بحيلة من الحيل. وكان له ما اراد، اذ عرّفه هذا بمملوك للجارية وهذا دبّر له حيلة للوصول الى قصر الخليفة، اذ ألبسه قميصاً منسوجاً من الذهب وحلة من حلل الخليفة، وطيبه بالطيوب حتى صار شبيهاً بالخليفة، وارشده الى الطريقة التي يجب ان يتبعها للوصول الى غرفة شجرة الدر،
