وعندما ارخى الليل سدوله، اخذ ابو الحسن يعد ابواب غرف الجواري واحداً واحداً حتى اذا بلغ وسط الطريق، سمع ضجة عظيمة ورأى اضواء الشموع مقبلة نحوه. تأمل وجه الخليفة وحوله الجواري يحملن الشموع، وسمع احداهن تقول لصاحبتها: يا اختي هل لنا خليفتان؟ ان الخليفة قد جاز على حجرتي وشممت منه عبير الطيب والبخور ووضع حبة الفول على بابي كعادته، وفي هذه الساعة ارى ضوء شموع الخليفة وها هو مقبل. فقالت الاخرى: ان هذا لأمر عجيب لان التزيي بزي الخليفة لا يجسر عليه احد. وسمعت الخليفة يقول امام باب حجرة حسنائي: هذه حجرة من؟ فقالوا هذه حجرة شجرة الدر. فقال نادوها. فنادوها، فخرجت وقبلت قدمي الخليفة. فقال لها اتشربين الليلة. فقالت إن لم يكن لحضرتك والنظر الى طلعتك فلا اشرب، فاني لا اميل الى الشراب في هذه الليلة. فقال للخادم: قل للخازن يدفع لها العقد الفلاني.
ثم امر بالدخول الى حجرتها، فدخلت بين يديه الشموع ودخل حجرتها. واذا بجارية امامهم وضوء وجهها غالب على ضوء الشمعة التي بيدها فاقتربت من ابي الحسن وقالت: من هذا؟ ثم قبضت عليه واخذته الى احدى الحجر وقالت له من انت؟ فقبّل الارض بين يديها وناشدها ان تحقن دمه وتكتم امره بعد ان اخبرها الحقيقة كما هي. فما كان منها الا ان اعلمته ان شجرة الدر اختها وقد اخبرتها ما كان من امره معها والبسته ثياب جارية وطلبت منه ان يتبعها، فتبعها حتى وصلت الى حجرتها حيث ارسلت في طلب شجرة الدر وجمعتها بحبها ابي الحسن وتعاهد الحبيبان على الاجتماع معا بالحلال.

وكان ان طرب الخليفة تلك الليلة بصوت شجرة الدر الرخيم فقال لها تمنّي علي يا شجرة الدر. فقالت امنيتي عليك عتقي يا امير المؤمنين لما فيه من الثواب فقال انت حرة لوجه الله تعالى.
واستطرد ابو الحسن في سرد قصته للخليفة المعتضد الى ان قال:
واما ما كان من امر شجرة الدر فانها جاءت اليّ وهي فرحانة وقالت: اني صرت حرة بقدومك المبارك لعل الله يعينني على ما ادبره حتى اجتمع بك في الحلال. فقلت: الحمد لله. فبينما نحن في الحديث واذا بخادمها قد دخل علينا فحدثناه بما جرى لنا فقال: الحمد لله الذي جعل آخره خيراً ونسأل الله ان يتم ذلك بخروجك سالماً. فبينما نحن في الحديث واذا بالجارية اختها قد جاءت وكان اسمها فاتن. فقالت: يا اختي كيف نعمل حتى نخرجه من القصر سالماً فان الله تعالى منّ عليّ بالعتق وصرت حرة ببركة قدومه. فقالت لها: ليس لي حيلة بخروجه الا ان ألبسه ثياب النساء. ثم جاءت ببدلة من ثياب النساء فالبستنيها. ثم خرجت يا امير المؤمنين في ذلك الوقت. فلما جئت الى وسط القصر واذا بامير المؤمنين جالس والخدم بين يديه فنظر اليّ وانكرني غاية الانكار وقال لحاشيته: اسرعوا وأتوني بهذه الجارية الذاهبة. فلما اتوا بي رفعوا نقابي. فلما رآني عرفني وسألني فاخبرته
بالخبر ولم اخف عليه شيئاً. فلما سمع حديثي تفكر في امري. ثم قام من وقته وساعته ودخل حجرة شجرة الدر فقال: كيف تختارين عليّ بعض اولاد التجار. فقبلت الارض بين يديه وحدثته بحديثها من اوله الى آخره على وجه الصدق. فلما سمع كلامها رحمها ورق قلبه لها وعذرها في العشق واحواله ثم انصرف. ودخل عليها خادمها وقال لها: طيبي نفساً ان صاحبك لما حضر بين يدي الخليفة سأله فاخبره كما اخبرته حرفاً بحرف. ثم رجع الخليفة واحضرني بين يديه وقال لي: ما حملك على التجرؤ على دار الخلافة. فقلت: يا امير المؤمنين حملي على ذلك جهلي والصبابة والاقبال على عفوك وكرمك. ثم بكيت وقبلت الارض بين يديه. فقال: عفوت عنكما. ثم امرني بالجلوس فجلست فدعا بالقاضي احمد ابن ابي داود وزوجني بها وامر بحمل جميع ما عندها اليّ وزفوها عليّ في حجرتها. وبعد ثلاثة ايام خرجت ونقلت جميع ذلك الى بيتي. فجميع ما تنظره يا امير المؤمنين في بيتي وتنكره كله من جهازها.

