

قد يستغرب بعض القراء وخصوصاً السيدات، حين يعلمون أن كثيراً من الألبسة وخصوصاً الصيفية منها، قد حيكت من خيوط صنعت من الخشب والقطن. ذلك لأن الخشب والقطن هما المادتان الأوليتان لصناعة ما ندعوه «بالحرير الاصطناعي» أو «الحرير النباتي».
وخيوط الحرير النباتي (أو ما يعرف في السوق باسم «رايون» «Rayon») توضع في صف الخيوط الشبه اصطناعية، وذلك لتفريقها عن الخيوط الاصطناعية البحتة، كخيوط النيلون، وعن الخيوط الطبيعية البحتة، كالصوف والحرير والكتان. فالحرير الاصطناعي إذن نتيجة لتضافر جهود الطبيعة والإنسان. الطبيعة توجد المواد الأولية الخام، والإنسان يجمعها بمعرفته ليجعل منها نصراً جديداً في عالم العلم والصناعة.
ومن حيث التركيب الكيميائي فإن خيوط الحرير النباتي تشبه كثيراً خيوط القطن، فهي جميعاً تتألف من مادة «السليلوز». والقطن النظيف يحتوي على أكثر من ٩٥ بالمائة من السليلوز، بينما يحتوي الخشب على حوالي ٤٠ بالمائة من هذه المادة.
لصناعة الحرير النباتي يقطع الخشب قطعاً صغيرة ويمزج مع كمية كبيرة من الماء تحتوي على بعض مركبات الكبريت فينفصل السليلوز عن غيره من المواد لأن السليلوز لا يذوب في هذا المحلول الكبريتي بينما تذوب فيه المواد الغريبة الأخرى. وعندما ينفصل السليلوز عن هذه المواد الغريبة ينشف ثم يوضع في محلول من القطرون (أي الصودا الكاوية) (Soude Caustique) مدة لا تتجاوز الستين دقيقة
على حرارة ١٨ درجة سنتغراد. فيمتص السليلوز محلول القطرون وينتفخ أو «ينفش» كما «ينفش» القطن مثلاجين يمتص الماء. عندئذ يزال محلول القطرون بالتصفية وينقل السليلوز إلى أوعية كبيرة حيث يترك مدة يومين لكي «يستوي» في خلالها.
وبعد انقضاء هذه المدة يمزج السليلوز مع سائل يدعى سلفور الفحم أو كبريتيد الفحم (Sulfure de Carbon) وهو سائل يصنع من الفحم والكبريت وذلك بمزج هذين العنصرين في آنية خاصة تحت تأثير حرارة مرتفعة، فتتحد ذرات الفحم مع ذرات الكبريت لتكون السائل المشار إليه.
وعندما يمزج السليلوز مع كبريتيد الفحم يجري تفاعل كيميائي بين هاتين المادتين وينتج عن ذلك مادة صفراء تشبه في مظهرها القش الرطب، فتؤخذ إلى أوعية خاصة حيث يزاد عليها محلول من القطرون، ويمزج الجميع جيداً فتذوب هذه المادة السليلوزية الصفراء في المحلول الذي يصبح الآن سائلاً كثيفاً ممزوجاً يترك عدة أيام قبل أن يصبح قابلاً للاستعمال في المرحلة التالية من صناعته.
إذن فالسليلوز الآن قد ذاب، وما علينا، إذا أردنا استخراجه من الحالة المذابة إلا أن نمزج هذا السائل الكثيف مع سائل أو سوائل أخرى لا يذوب السليلوز فيها. وللوصول إلى هذه الغاية يدفع السائل
الكثيف من خلال أنبوب في نهايته ثقوب دقيقة. ونهاية الأنبوب هذا توضع في وعاء يحتوي على محلول ويحتوي على حامض الكبريتيك (acide Sulfurique) وسلفات الصودا (Sulfate de Soude). فحين يدفع السائل من خلال هذه الثقوب الدقيقة يخرج خيوطاً لزجة تجد نفسها في وسط لا يذوب السليلوز فيه، فيرسب خيوطاً دقيقة تلف على بكرات أعدت خصيصاً لهذه الغاية.
وعند انتهاء عملية اللف على البكرات تنشف الخيوط جيداً ثم توضع في خزائن خاصة حيث يمر عليها تيار من الهواء الساخن. ثم تنقل هذه الخيوط من بكراتها القديمة إلى أخرى جديدة ذات شكل مخروطي (forme conique) لاستعمالها في حياكة الكلسات والألبسة الداخلية، أو تجعل في شلة أو مسلة لاستعمالها في حياكة الأقمشة. وهي من انتقالها من بكراتها القديمة إلى البكرات الجديدة تشد فتزداد متانة ولمعاناً وتصبح ناعمة كالحرير.
وترتب الخيوط بحسب نعومة الخيط ويستعمل لهذه الغاية ما يسمى بمقياس الدنير (denier). والدنير هو وحدة متفق عليها لتعني الوزن بالجرامات لخيط يبلغ طوله تسعة آلاف متر، فعندما يقال مثلاً، أن كلسات النيلون أو الحرير مصنوعة من خيط «٤٠» أو «٥١» دنير، فهذا يعني أننا إذا أخذنا خيطاً طوله تسعة كيلو مترات ووزناه وجدنا أنه يزن ٤٠ أو ٥١ غرام. لذلك فكلما صغر العدد كلما كان الخيط دقيقاً. وفي صناعة مختلف الأنواع من الأقمشة تستعمل خيوط مختلف مقاييسها من ٤٠ إلى ٤٥٠ دنير.