جمعتني الصدفة ، وصديقاً لي بآنسة ، من ارقى بنات هذا البلد ، نموذجية الصراحة في قولها وفي عملها . وكان الى جانبها كلب تعتني به عناية كبيرة ، لما يقوم به من واجب الحراسة لبيتها ، واستلفتت نظري امائر الخضوع البادية على وجهه ، كلما ربتت بيديها اللطيفتين على رأسه . فقلت ان الكلب نعم الصديق ! فاجابت انها تفضل العناية بالكلب على سواه من الحيوانات ، لانه صبور على الضيم ولا حاجة بك الى انقاء شره مهما أحسنت اليه .
فتناول صديقي الحديث قائلاً : « ان امانة الكلب مهما عظمت فانها مبادلة لما يلقى من العطف والتكريم والمحبة .. »
فهبت الآنسة تقول : « ولكن الكلب يظل امينا خاضعاً حتى اذا اسأت اليه . وهل يمكن ان يقابل بالهر مثلاً ، فانك مهما دللته يعقك لاول اساءة ولو بدرت عن غير قصد منك . »
وهنا استوى رفيقي في مقعده وانبرى للنقاش بجده فقال : « اني افضل الهر على الكلب الف مرة لهذا السبب فقط . فالمدموزيل تغدق الاوصاف النبيلة على الكلب لخنوعه واستسلامه لارادتها وتبخل على الهر حتى بالعدل ، فعند التحري نجد الكلب معدوم الشخصية بينما الهر يتمتع بعزة النفس ورقة الشعور . وشتان ما بين
خانع ذليل ، وكريم ابي .
ثم تطور الحديث متخذاً شكلاً تحليلياً كانت مهمتي فيه التوفيق بين النظريات . ولكني من ذلك الحين الى اليوم وانا افكر كلما سمحت الظروف ، بسيطرة « الامثال » على عقلية الناس حتى اصبحنا مقيدين ببعضها على مخالفة الوقائع وتكذيب ما نختبر بانفسنا . وقد قدر لي الاطلاع على مجموعة نوادر عن القطط لا بأس من ايرادها هنا لتبيان ما لها من عزيز الشأن في التاريخ :
من ذلك ان الامير بتمكين عندما شاء ان يبرز جميع مزاحميه الامراء في الحظوة بعيني كاترين الكبيرة ، انصرف عن انتقاء الجواهر واصناف العطور واهدى اليها قطة .
وقد كانت الذ نزهة ، لبن جونسون زيارته لباعة السمك حيث يختار اصنافاً من المحار ملهاة لقطته . اما وولتر سكوت فكان يحرض قطته على كلب اقتناه خصيصا لمداعبتها . واشد ما كان يبهجه ان يشهد انتصارها عليه . اما اللورد شسترفيلد فقد اوصى لقطته بمرتب من تركته .
ومن عنوا بتربية القطط هذه الاسماء الشهيرة في التاريخ : فكتور هليفو ، وماثيو ارنولد ، وهنري جايمس ، وبترارك ، ووالبول ، وغريفوريوس الكبير ، والكاردينال ولسي .
اما الكاردينال ريشيليو ففي اشد ساعاته ضنكا لم يطلب إلا سلة تزاحمت فيها جراء القطط فيراقبها بانتباه وتنجلي عنه الهموم . بينما اشتهر لويس الخامس عشر بعطفه على قطة كاد لا يفارقها . فمرة اذ ترأس جلسة ملكية وأحدق به رجال الدولة وثبت « محبوبته » الى حضنه وصعدت الى المنضدة حيث عبثت بالاوراق المكدسة وهي لا تلوي على شيء .
وقد كان عصر النهضة عهد القطط الذهبي اذ مهر رجال الدين والدولة هذا الحيوان بالرضى والانعام السامي . فانتشر اقتناؤه في الطبقات الراقية حتى ان الكثيرين لم يبخلوا على الهر بالحلي والجواهر .
وفي هذا العصر ما زال هناك اصدقاء للهررة يعترفون بفضلها ويبذلون بسخاء لارضاء هذا الحيوان المدلل . وبيان ذلك واضح في اعلان ظهر في جريدة المانية اليك نصه : « سيدة محترمة تطلب فتية انيقي اللباس حسني السلوك لتسلية قطة منحرفة الصحة بأجر لا بأس به ساعتين او ثلاثاً يومياً . »
هذا ومع ان البعض لا يستلطفون القطط بل قد يتحسبون لها فانهم اذا شهدوا حركاتها ، لا يتمالكون من الاعجاب بها والاقبال على تربيتها والعناية بها .

