

المكتبة، ولا شك، أهم أثاث البيت، لأنها تدلّ على مبلغ اهتمام ساكنيه بشؤون الفكر والروح . والبيت الذي لا مكتبة عامرة فيه لا فكر فيه ولا روح . وانه لمن المؤسف أن نجد أكثر بيوتنا خالية خاوية حتى من كتاب واحد ذي قيمة . ألا تعلم سيداتنا أن البيوت الراقية في بلاد الناس، تهتم ، على عكس معظم بيوتنا ، بالمكتبة قبل اهتمامها بالراديو ، أو السجّادة ، أو سوى ذلك من الحوائج التي تعمّر بها المنازل ؟ وهل تدري سيداتنا أيضاً ، أن قسماً كبيراً من ميزانية أي بيت من البيوت الراقية في بلاد الناس ، يخصص كل سنة لشراء الكتب والمجلات والجرائد ؟
وبعد ، في مكتبي ، يا سيدتي ، كتب جديدة شتى ، منها ما تهمّك مباشرة ، ومنها ما تهمّك مداورة ، ومنها ما لا تهمّك على الإطلاق . فاسمحي لي أن اراجع لك الآن بعضاً منها بإيجاز ، عسى أن تختاري ما يروق لك مطالعته والاحتفاظ به في مكتبتك العامرة إن شاء الله .
أمامي الآن من هذه الكتب ، مجموعة « فطب » للدكتور شارل مالك استاذ الفلسفة في جامعة بيروت الأميركية ، ووزير لبنان المفوض في وشنطون . وهي تقع في كتاب صغير الحجم ، أنيق شأن كل ما تنشره « دار الكتاب » وتطبعه « دار الأحد » في بيروت . ثمن النسخة منه ليرة لبنانية . ويمكنك أن تطلبه من الناشرين أو من المكتبات العربية الكبرى .
وعندي ، أن هذا الكتاب على جانب كبير من الأهمية لثلاثة أسباب رئيسية . أولاً : لأنه من نتاج مفكر كبير من مفكرينا . وثانياً : لأنه وثائق رسمية لما ألقاه أول وزير لبناني مفوض في أميركا . وثالثاً : لأنه يعبّر تعبيراً صادقاً ، واعياً ، عميقاً عن ماهية لبنان ورسالته إلى العالم .
وبين يديّ أيضاً ، كتاب عنوانه « العقل في الإسلام » للدكتور كريم عزقول . وهو يقع في نحو ٢٠٠ صفحة من القطع الكبير ، نشرته مكتبة صادر ، وطبعته مطبعة صادر - ريحاني في بيروت . ثمنه خمس ليرات لبنانية . وقد يكون هذا الكتاب من المؤلفات العربية القليلة من حيث وضوح الفكرة ، وصفاء التعبير ، وقوة النقاش الفلسفي . وقد يكون موضوعه شيّقاً جداً لمن يهتم بالقضايا الفلسفية العويصة . والدكتور عزقول ، ولا ريب ، من خيرة من يحق له معالجة موضوع كهذا ، لأنه اختص بدراسته في إحدى جامعات ألمانيا . وعلى الرغم مما عندي من تجريح حول الأساس الذي يدور عليه الموضوع ، يظل الكتاب في مركز ممتاز بين الكتب التي تضمها المكتبة العربية .
وفي مكتبي كذلك مجموعة محاضرات للاستاذ فايز صايغ ، نشرتها له مكتبة الواجب تحت عنوان « البعث القومي » عدد صفحاته ٢٢٥ ، وثمنه ليرتان ونصف لبنانيتان . ولهذا الكتاب مزايا عديدة تضعه في مقدمة المؤلفات التي يدور موضوعها حول الشؤون المتعلقة بالحياة القومية . ففيه نقد حقّ ، وتفكير متزن ، يضع مؤلفه ، بلا جدال ، بين النخبة الممتازة من مفكرينا الشباب .
وقد يسمح لي المجال في هذا العدد من « صوت المرأة » ، بأن أذكر أيضاً ثلاثة كتب : كتابان منها نشرتها للاستاذ ميخائيل نعيمه مكتبة صادر ببيروت .
الأول قصة بعنوان « لقاء » عدد صفحاتها نحو ١٣٠ وثمنها ٤ ليرات لبنانية - والثاني مقال طويل يقع في نحو ٧٠ صفحة وثمنه ليرة وربع لبنانية ، وعنوانه « الأوثان » . وكلا الكتابين جدير بالقراءة ككل مؤلفات نعيمه . إلاّ أننا كنا نتوقع من « الأوثان » أن تكون أعمق وأكثر ابتكاراً ، كما كنا نود من « لقاء » لو لم تغرق في المثالية إلى حد جردها من الحياة وتركها عارية إلاّ من رونق الأسلوب ، وسمو الجو ، وسماحة الظلال والألوان .
أما الكتاب الثالث فهو « ميكر وميغاس » . وما ادراك ، يا قارئي ، ما ميكر وميغاس فهو كتاب صغير من تأليف الكاتب الفرنسي الشهير فولتير ، عرّبه الأستاذ الياس أبو شبكه ، واصدرته شركة النشر للاداب الفرنسية ببيروت ، عدد صفحاته نحو ٦٩ ، وثمنه ليرة وربع لبنانية ، ومحتوياته أقاصيص فلسفية - بالمعنى العام المطاط - كتبها فولتير في أوائل النصف الأخير من القرن الثامن عشر ، وهاجم فيها المجتمع الفرنسي إذ ذاك ، فجاءت انتقادات تهكمية تحت لباس من الثورية . وقد شاءت شركة النشر للاداب الفرنسية أن تقدّمها لقراء العربية في سلسلتها « كنوز الفكر الغربي » باعتبارها أحد هذه الكنوز ! فإذا كان الأمر كذلك ، فما احرى شركة النشر ان لا تبدأ بتقديم فولتير إلينا عن طريق هذا الكنز ! أو أن لا تقدم هذا الكنز على الإطلاق . إذ في ذلك من جهة حطّ من شأن « كنوز الفكر الغربي » كما فيه من جهة ثانية هزّ بقراء الفكر الغربي في هذه البلاد . والذي اراه ان شركة النشر للاداب الفرنسية ، لا تتبع في تقديم هذه الكنوز إلى المكتبة العربية ترتيباً معيناً مدروساً ، بل تخبط خبطاً . فعسى أن تعيد الشركة النظر بهذا الأمر لكي تصبح خدمتها للمكتبة العربية خدمة انفع وأجدى .
نافرة