ونحن لا نحترم الشخص الآخر : هذا اللانحن الذي نعايشه ونعامله ونؤلف معه وجوداً إنسانياً واحداً . فكثيراً ما نخدعه ونتحايل عليه وننكر له حقه في الحرية ، وكثيراً أيضاً ما نسخر به وننقص قدره ونحط من شأنه ، لا لسبب إلا لأننا لا نحترم أنفسنا فلا نجد فيما عداها حقاً وخيراً وجمالاً .
وهكذا جرّ علينا عدم احترامنا للشخص الآخر ، هذا الوجود الزائف العقيم الذي لا يولد فيه إلا الشوك ولا ينبثق منه إلا الفراغ . فهل فكّرنا مرةً — وقليلاً جداً ما نفكر — لماذا تحتل المرأة بيننا هذا المقام الوضيع الحائر بين الرفعة الحديثة المصطنعة والذل القديم المتأصل ؟ ولماذا لا يزدهر في مجتمعنا من الشؤون إلا السياسة والتجارة ؟ ولماذا نكاد لا نجد عملاً اجتماعياً واحداً تنتظم فيه المعاملة فتسلم من الفوضى والانحلال ؟ ولماذا نطمس الحقيقة ، ونعرض عنها ، ونعلن كل شيء إلا اياها ؟ ولماذا لا نتقيد بالقانون إلا مرغمين ، ولا نثق بعضنا ببعض إلا حذرين خائفين ؟
والحق ، ان مصيبتنا هذه لأعمق بكثير مما تبدو . فالشخص من أساسه لا وجود له في حياتنا . فنحن لا نفكر بغير الجمع والعدد ، ولا نحسب حساباً لغير « الأنا » و « الأنت » ، ولا ندرك من المفاهيم إلا ما كان منها لا شخصياً : كالامة ، والقومية ، والشعب ، والجماعة ، والحزب ، والدولة . أما الشخص الذي من أجله وجد كل شيء وبدونه لا شيء يوجد على الاطلاق ، فنحتقره وندير ظهورنا له ونبني بيننا وبينه سداً منيعاً من الشك والدجل والأثرة والحقد والتجاهل الحسود .
وكم نادينا وننادي بإصلاح الحال : فنطلب حكاماً أقوى شخصية وأعف يداً وأعرف بمصلحة البلاد الحقة ، ونطلب برلماناً يمثل من الشعب آماله وحقوقه ويحمي مصالحه ويشرع له الشرائع التي توفر له الطمأنينة والتقدم ، ونطلب موظفين يقومون بواجبهم في تسيير مصالح الناس بلا رشوة ولا محسوبية ولا تلكوء ، ونطلب هذا النظام أو ذاك من الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية التي نحسبها تقيم العدل بين أفراد الشعب فتعطي كلاً حقه المشروع ، وأخيراً نطلب من الأجنبي أن يتركنا وشأننا فلا يعتدي على استقلالنا ولا يتدخل بشؤوننا ولا يهب جزءاً من وطننا لشذاذ الأرض .
إننا نطلب كل هذا وأموراً لا تعدّ ولا تحصى ، نرددها كل يوم في خطبنا ومؤتمراتنا وجرائدنا وأحاديثنا ، أما الأمر الأساسي الذي بدونه لا يعطى لنا شيء ولا نستطيع ان نحصل على شيء ، فنجهله جهلاً تاماً : هذا الأمر الأساسي هو الشخص ، الشخص الذي فيه وحده تكمن قوة الحياة ، وبه وحده تنفتح مغاليق الوجود ، وله وحده تحل نعمة السماء .
فإذا أردنا حقاً ان نوجد بالفعل وجوداً لائقاً فعالاً في الحضارة والتاريخ ، علينا — في جملة ما علينا — أن ننصرف بجدٍ وإخلاص ومحبة عن الجمع والعدد ، وعن المفاهيم المضللة المعبرة عن لا شيء ، وعن « الأنا » و « الأنت » وتناحرهما ، إلى « الهو » — الشخص الآخر — فنحترمه ونحبه ونخلص له .
« صوت المرأة »

