يصعب على قارئات « صوت المرأة » ولا شك ، وقد قضين سني الحرب في بلاد سعيدة بعيدة عن ساحات القتال ، أن يتصورن الاحوال التي مرت بها أخواتهن نساء الغرب وفتياته في السنوات السبع المنصرمة . فعشرات الملايين منهن فجعن بقريب او حبيب ، وشهدن اسرهن تتفكك ومنازلهن تندك ، واطفالهن يتضورون جوعاً ويقاسون آلام البرد والمرض ويموتون موتاً بطيئاً . عشرات الملايين من النساء قضين شطراً كبيراً من حياتهن مختبئات مذعورات في الملاجئ ، او هائمات متشردات على الطرقات او في القرى النائية ، يشعرن بأن حاضرهن ومستقبلهن عرضة لشتى الاخطار وألعوبة في يد القدر الغاشم . وهن اليوم وقد انتهت الحرب ولكن المشاكل السياسية لم تنته ، يترقبن بخوف سير الازمة العالمية الجديدة ، خاشيات ان تنبعث منها حرب عالمية ثالثة فتقضي قضاءً مبرماً على الآمال القليلة الباقية لهن وللبشرية جمعاء .
ويجدر بنساء الشرق وفتياته ان يعرن هذه القضية ، قضية الحرب او السلام ، معظم اهتمامهن . فاذا نشبت حرب جديدة لا سمح الله ، فقد تنشب في الشرق هذه المرة او تمتد اليه ، فتقاسي نساؤنا وهن حجر الزاوية في بنائنا الاجتماعي المرتكز على الاسرة والعائلة ، اضعاف ما قاسته نساء الغرب في الحرب الاخيرة . فقضية
السلام يجب ان تكون قضية حيوية في نظر المرأة ، كما انها قضية حيوية في نظر الرجل ، ومن حق كل امرأة وكل رجل بل من واجباتها ، ان يبحثا بحثاً حثيثاً عن الوسائل الفعالة التي يمكن استخدامها لتوطيد السلام وابعاد شبح الحرب .
وقد بحث المفكرون فيما مضى ، ولا يزالون يبحثون ، عن دعائم السلام ومقوماته . فمنهم من رأى ان يمنع الحرب عن طريق التبشير بالسلم واقناع الناس بفوائده ونعمه ، فأخفق . فالناس مقتنعون بفوائد السلم ، يبشرون بها ويدعون لها ، وما من احد يخوض الحرب مختاراً . ومنهم من اعتقد بأن نشر العلم والثقافة كفيل بإقرار السلم ، فأخطأ . فالحروب لا يذكيها الجهل ، وانما تنبعث من بلدان تحتل المرتبة الاولى في سلّم الحضارة ، والشعوب المتأخرة بريئة منها براءة الحمل من غارات الذئاب . ومنهم من فكر بتحديد السلاح او نزعه ، فتجاهل وقائع الامور : فالدول لا تحارب لانها مسلحة ، وإنما هي تتسلح لانها تريد ان تحارب . ولو حظر عليها استعمال الطائرات والمصفحات مثلاً ، لاكتفت بالمدافع والبنادق ، ولو حظرت عليها المدافع والبنادق ، لاكتفت بالسيوف والمدى ، ولو حظرت عليها السيوف والمدى لابتدعت سلاحاً آخر تنقض به على جاراتها لاغتصاب حق او للدفاع عن حق . فما السلاح سبب الحروب ، وإن هو الا اداة للحرب يشحذها صاحبها ليضمن التفوق على خصمه . ومنهم من اوصى بان تعقد الدول الكبرى فيما بينها
معاهدات تحالفية لحفظ «التوازن» العالمي فعقدت هذه المعاهدات بالفعل ولا تزال تعقد ، الا انها تأتي بنتيجة معاكسة للتي كان يتصورها بعض الخياليين ، فتقسم العالم الى معسكرات متناحرة ، وتسجل الخلافات الواقعة بين الدول وتكسبها صيغة حقوقية رسمية ، وتقرب اجل الحرب وتجعلها امراً محتوماً . ومنهم من اراد ان تتعهد الدول « بشرفها » تعهداً خطياً ، ممهوراً بتواقيع ممثليها ، بان لا تلجأ الى وسائل العنف لحل ما يثور بينها من خلافات ، فخدع الناس وخدع نفسه . فالحرب لا تقيد بقيود من ورق . وبالامس عام ١٩٢٨ تعهدت جميع دول المعمور ، في « حلف باريس » بان لا تحل مشاكلها الا بالطرق السلمية « واعلنت الحرب على الحرب » على حد قول بريان وزير خارجية فرنسا ، فبقي تعهدها حبراً على قصاصة ورق ، ولم يؤخر وقوع الحرب ثانية واحدة .
كل هذه المحاولات الآنفة الذكر آلت الى فشل ذريع - وطبيعي ان تفشل فشلاً ذريعاً - لان فيها خطأ تفكيرياً يفسدها في الاساس والجوهر . فالحروب لا تمنع بوسائل اعتباطية مرتجلة ولا تقيد بقيود من كلام . والقضايا السياسية والاجتماعية لا تعالج بطرق ادبية شعرية ، ولا تقبل تطفل المتطفلين . فلها قواعدها ولها اصولها الخاصة تميز بينها وبين الادب والشعر وتقربها من «العلوم» . ولو ان الناس استطاعوا ان يتحرروا من شتى العبوديات التي تضغط على عقولهم ونفوسهم وسلكوا الطريق السوي لمعالجة قضية السلام معالجة علمية مجردة ، لما تعذر عليهم ان يكتشفوا اصل الداء وان يسعوا الى استئصاله .

