
والحقيقة البديهية الكبرى التي يجب الاخذ بها والسير على ضوئها في مثل هذه الابحاث ، هي ان الحرب لا تزول الا اذا زالت اسبابها . وعبثاً نحاول ان نضلل انفسنا ونضلل الناس بالقول ان هذا المرض الاجتماعي الاكبر يمكن شفاؤه بعلاج سطحي خارجي . فالداء عميق متأصل لن يقضى عليه الا اذا قطعت جذوره وازيلت اسبابه .
واسباب الحروب في عصرنا هذا على ما يظهره الواقع التاريخي الاجتماعي المجرد هي على نوعين رئيسيين ، اولها سياسي ، والثاني اقتصادي - اجتماعي :
اولا- العالم مقسوم الى كتل سياسية تدعى « الدول » ، مستقلة بعضها عن بعض تتحمل كل منها مسؤولية الدفاع عن وجودها وبقائها ، وعن مصالح الجماعات البشرية المنطوية تحت لوائها . ولكل من هذه الكتل حق تشكيل قوة عسكرية تستخدمها لمهاجمة الغير او للذود عن نفسها وحق اتباع سياسة خارجية مستمدة من مصالحها الخاصة ، لا من مصالح المجتمع البشري العام . فاذا بلغت احدى هذه الدول درجة من القوة يضاهي او يفوق قوة غيرها ، وسولت لها نفسها بالتعدي عليه ، وفكرت جاراتها بكسر شوكتها قبل ان يستفحل امرها . هذا ماجرى عام ١٩١٤ وعام ١٩٣٩ ، وما كان قد
جرى في الحروب التي سبقتها : دولة تهدد بالسيطرة ، ودول تخشى على سيطرتها . وقد اطلق بعض الفلاسفة على هذا الحادث السياسي اسم « تنازع البقاء » ، وظنوا انه سنة طبيعية في الجماعات البشرية كما انه سنة طبيعية في حياة الافراد والواقع ان « تنازع البقاء » هذا ، امر مرغوب فيه الى حد ما ، وقد نظم في حياة الافراد بفضل المحاكم والادارة وقوى الامن ، فزالت معظم عواقبه ، واصبح محظوراً على الافراد ان يعتدوا على حقوق الغير ، والا انزل بهم العقاب . ولم ينظم بعد في العلاقات الدولية ، فالسيادة الخارجية مبدأ اساسي من المبادئ التي يقوم عليها نظام العالم الحاضر . هو مبدأ تقدمي ولا شك اذا قيس بالماضي ونظر اليه من ناحيته السلبية ، فكان المقصود منه ان لا توضع امة تحت حكم امة اخرى . ولكنه مبدأ خطر جداً اذا نظر اليه من الناحية الايجابية ، وهي ان تتبع كل دولة من دول الارض ، وعددها يربو على الستين ، السياسة الخارجية التي تشاء ، دون ان تتقيد بمصالح المجتمع البشري العام . وما الاعتراف لكل دولة « مستقلة » بحق تشكيل قوى عسكرية خاصة ، سوى اقرار لها بحق دعم سياستها الخارجية « المستقلة » بالقوة ، وبحق اللجوء الى العنف لفرض هذه السياسة على الغير . ولو كان في العالم هيئة سياسية عليا معززة بقوى عسكرية ضخمة تتحكم اليها الدول
كما يتحكم الافراد الى المحاكم العادية لفصل ما يحدث بينهم من خلافات ، لما كانت تقع الحرب .
فالسيادة الخارجية الفردية هي اذن اولى العقبات التي يجب تذليلها لتأمين السلم وهي عقبة لم تذلل بعد في تاريخ البشرية منذ ابتدائه ، غير ان العالم الحديث سائر نحو تذليلها ، وسيدللها ولا شك في المستقبل والمحاولتان الوحيدتان الجديرتان بالذكر اللتان وضعتا لانشاء هيئة دولية عليا تشرف على السياسة العالمية وتمنع اللجوء الى الحرب ، محاولتان حديثتا العهد . اولا هما « عصبة الامم » المؤسسة عام ١٩١٩ وقد اخفقت اخفاقاً ذريعاً لانها لم تكن محاولة جدية ، والثانية « منظمة الامم المتحدة » التي اسست في مؤتمر « سان فرنسيسكو » في العام الماضي .
ويضيق نطاق هذا العدد من « صوت المرأة » عن ان نتحدث عن « منظمة الامم المتحدة » ونرى ما يمكن ان نعقده عليها من آمال وما تثيره من مخاوف ، وان نتابع البحث في اسباب الحروب الاقتصادية والاجتماعية ، فنرجىء النظر فيها الى العدد القادم .

