تجمع المرأة السورية اليوم في شخصيتها وفي الحياة التي تحياها كل عصور التاريخ !
وقد يعجب القارئ ، والقارئة أيضاً ، لهذا القول ، ولكن الواقع ، هو هذا !..
ففي مجتمعنا نساء يعشن من حيث التفكير وإدراك أسرار الحياة عيشة امرأة العصر الحجري . وأخريات كأنهن في عصور البداوة الأولى ... وبعضهن لم يذقن نعيم الحضارة ولا عرفن لونها وطعمها.. وقد نتجاوز فنقول عن بعضهن أنهن نصف متحضرات .. ثم إلى هذه المجموعة من النساء المختلفة عقلية وميولاً نساء يعشن عيشة الباريسيات المتأنقات سواء في بيوتهن أو في المجتمعات ، وقد تبرز المرأة السورية ، الباريسية في الكثير من المظاهر ... إلى هذا أردت أن أقول أن عصور التاريخ تجتمع اليوم في المرأة السورية ..
وهذا الاستطراد ينطبق تمام الانطباق على المرأة العربية بصورة عامة ..
لقد ارتفع صوت المفكرين لتحرير المرأة العربية من أسر الجهالات وعبودية الحياة منذ ثلاثين عاماً أو أكثر .. فلاقت هذه الأصوات طريقها إلى القلوب . وأبيح للمرأة أن تتعلم فافتتحت المدارس واستطاعت فتاتنا العربية ، في سنوات غير طويلة ، أن تخلع عنها الكثير من أثواب الجهالة وأن تدنو من آفاق المعرفة ، وأن تلتهم ما تفرضه عليها الحياة من واجبات .. وما هي سنوات حتى ارتفع هذا الصوت واستطاعت المرأة أن تتحرر ، وأن تشارك الرجل في الكثير من الأعمال الفكرية والخدمات الاجتماعية ، على أن هذه اليقظة قد أصابت فئة قليلة من مجموع الأمة .. ولا تزال الجاهلات أكثر من المتعلمات ...
نعم ، ففي مصر ولبنان وسوريا والعراق نساء مثقفات أخذن بنصيب وافر من التعليم الثانوي والجامعي ، وعرفن جميع ظواهر الحياة ، ودخلن غمار الحياة وهن مزودات بجميع الوسائل التي تضعهن إلى مصاف الرجال المتفوقين .. ولكن إلى جانب هذه الفئة القليلة فئات كثيرة تتمرغ بالجهالات .. لا تعرف من الحياة إلا قشورها ، تستطيع أن ترجع بها إلى أبعد عصور التاريخ فلا تجد بينها وبين نساء تلك العصور أي فرق ، بل قد تفضلها بما جمعته من الخرافات التي رسبت في ذهنها على مدى الأجيال ..
وهذا الذي يجعل الحياة الاجتماعية في البلاد العربية شبه متفككة .. لأن المرأة هي التي تزيل
غشاوة الحياة وترقى بالعائلة والمجتمع إلى المرتبة التي تتمتع بها المجتمعات الراقية والتي أصابت حظاً وافراً من نعيم المدنية وفيض الحضارة ...
وإذا قلت أن المرأة في البلاد العربية لا تزال في جهالتها ، فلا أريد أن أقول أن الرجل قد وصل إلى الذروة في معارفه ، فلا يزال الرجل في مجتمعنا ذلك الإنسان البدائي الذي يعيش في جو موبوء من الخرافات والعنجهيات والجهالات ، أميل في تصوراته وأفكاره إلى الرجل البدائي ، بعيد كل البعد عن حقائق المعرفة وأسرار الحياة .. ولعل هذا النقص في حياتنا الاجتماعية - أريد النقص عند الرجل المغمور بالجهالات والمرأة المغمورة بالخرافات - لعل المرأة وقد أصابت حظاً وافراً من التعليم والثقافة ودخلت المجتمع لتهز بنيانه المتصدع ، وتبني على أنقاضه مجتمعاً جديداً يتسم بالمعرفة والقوة - لعل المرأة المتحررة الجديدة هي التي ستخطو بالمجتمع العربي هذه الخطوات السريعة الجبارة التي تخلق من مجتمعنا المائع مجتمعاً قوياً ذا نزعة مثالية حرة ...
نعم . إن المرأة - وأريد الأم - هي التي ستلعب هذا الدور الكبير في قلب كياننا الاجتماعي . وهي التي ستمحو هذه الفوارق التي تباعد بين العقول - عقول النساء والرجال معاً - بل هي التي ستخلق للمجتمع العربي هذا الاتجاه الجديد الذي سيدنينا من الحياة الرغدة الحرة ، فلا يكفي أن نعدد في مصر ولبنان وسوريا والعراق مئات السيدات المبرزات اللواتي بلغن أرفع درجة من المعرفة - بل المهم أن تبلغ المرأة العربية بمجموعها نفس المنزلة التي بلغتها الدانيمركية أو الفنلندية في الغرب مثلاً من حيث المعرفة والكفاءة وفهم حقائق الحياة ..
وإذا كنت ألمعت ، في بدء هذه الكلمة ، إلى حالة المرأة السورية بصورة خاصة ، والعربية بصورة عامة ، ورأيت جميع عصور التاريخ تتلاقى في شخصيتها من حيث المعرفة ، فليس معنى هذا أن تكون امرأة الغد كما كانت عليه جدتها بالأمس وما هي عليه أمها اليوم .. لا ... فإن عصر تلك المرأة آخذ بالانقراض ..
وألمح منذ الآن قبس النور ينفذ إلى صدر المرأة في كل بقعة عربية ، ولن يطول الزمن الذي تمثل فيه المرأة العربية عقلية القرن العشرين بكل مظاهره ، ولن يتخلف الرجل عن المرأة في هذا المضمار .. وأشعر من الأعماق أن المرأة العربية مقبلة على ميلاد فجر جديد ، والفضل سيكون فيه ليقظة المرأة التي قررت أن تسير في الطريق بخطوات سريعة ، وهذا الذي يدنينا من الحياة الفعلية الحرة التي تنعم بفيضها الأمم الحية في أكثر بقاع الأرض .

