جلستْ وجلستُ بجانبها نتحدث عن الاطفال .
فقالت وكانت حتى ذلك الحين بلا طفل ولا ولد :
- « كم اود ان يولد لي طفلة جميلة ... ولكنني اريدها بيضاء ذات شعر اشقر .
فنظرت اليها نظرة الفاحص المدقق ، فاذا المشيب قد خط اولى سطوره على جانبي رأسها بالرغم من اضالم تجتز بعد عتبة الخامسة والعشرين ، واذا شعرها فاحم حالك كشعر تلك « البتيمة » التي تغنى بها الشاعر فخلدها ولم يخلد نفسه ، واذا هي فوق ذلك سمراء كلون التربة التي خلقت منها فسألتها :
« وهل حقاً تتوقعين ان يكون المولود طفلة .... وذات شعر اشقر ايضاً ؟! »
فاستغربت سؤالي هذا قائلة :
« ولم لا ؟! هل من مانع لهذا ؟ »
فابتسمت ابتسامة من يعلم الامر على حقيقته ثم اجبتها :
« ربما اعترضت الطبيعة .... او لا تمانع قط . وقبل ان ابت في الامر ارغب في ان اوجه اليك هذه الاسئلة الاساسية - اولاً ، هل كان لاحد من عائلتك ، بصرف النظر عن صفته الجنسية ، شعرٌ أشقر ؟
فقالت : « لا »
- « ثم ، هل لزوجك او لاحد من عائلته شعر أشقر ؟ »
فاجابتي بالنفي ايضاً . فسألتها من جديد :
- فكيف تريدين اذاً ان يتحقق امر غير معقول ؟ »
فاستغربت ذلك البت الحازم قبل ان تتوقعه . وطالبتني بالشرح والتفسير ، فشرعت اقص عليها حديثي هذا .
اولاً ، تريدينها طفلة ... حسناً . قد يحدث هذا وقد لا يحدث ، وكلا الامرين محتمل الوقوع بنسبة خمسين في المئة . اي ان لك نصف الحظ في ان يتحقق نصف رغبتك . وهذا على كل حال ، يتوقف على الظروف او بالاحرى على الصدفة . فاذا شاءت كانت لك طفلة ، وان لم تشأ فأمرك لله .
ولكي اوضح لك الامر اكثر من ذلك سأروي لك العملية المحكمة التي تحدد بها الطبيعة الصفة الجنسية للمولود الجديد ، حتى اذا ولدت احداكن ذكراً لم ترفع انفها فخراً وعظمة ، واذا انجبت احداكن انثى لم تنطور
على نفسها خجلاً وحياءاً . اذ ان الذنب في ذلك ليس ذنبها ، ولم يكن المولود طفلة لان الله استجاب لدعاء الحماة او اخت الزوج ، بل الذنب ، ان كان يعد ذنباً ، ذنب الصدفة تلك القوة الغامضة التي تسيطر على كل ما يمر في مسالك الحياة ومفارقها .
فقبل ان يولد الطفل يكون جنيناً . وقبل ذلك يكون مجموعة من الخلايا الحية تتكاثر مع الوقت حتى تصبح ذلك الجنين . ويسبق هذه الحالة ان تكون تلك المجموعة خلية واحدة تتركب من انصهار خليتين تتميز كل منها عن الاخرى بالشكل ونوع العمل الذي تؤديه في خلق الكائن الجديد وبالاصل التي تنشأ منه . وهاتان الخليتان خليتان تناسليتان اي انهما من الصنف الذي اخذ على عاتقه مهمة حفظ النوع البشري . احداهما كبيرة تحملها المرأة وسندعوها « الخلية الانثى » ، والثانية صغيرة ينتجها الرجل سندعوها « الخلية الذكرية » .
وتتشابه الخلايا الانثى في المرأة في تركيبها دون تمييز بين واحدة واخرى . وهي تتركب من قلب الخلية ( أو نواتها Nucleus ) ومن مواد غذائية متراكمة حول هذا القلب . وفي القلب خيوط دقيقة كأنها قطع من حبال قصيرة تدعى كرمسات ( كرمسة Chromosome ) في كل خلية تناسلية اربع وعشرون واحدة منها .
اما الخلايا الذكرية فتختلف في الشخص
الواحد من حيث التركيب ، وهي على نوعين :
١ - خلية تحمل صفة الانوثة سنسميها « الخلية السينية » .
٢ - وخلية لا تحمل هذه الصفة سوف ندعوها « الخلية الناقصة » . وهذه الخلايا من كلا النوعين صغيرة الحجم جداً ، وتتكون من قلب حوله غشاء رقيق في مؤخره شعرة دقيقة كأنها ذيل ، وباستطاعة هذه الخلايا ان تتحرك وتسبح في السائل الذي هي فيه بتحريك ذلك الذيل الدقيق .
اصبح لدينا ثلاثة انواع من الخلايا التناسلية : الخلية الانثى ، والخلية السينية ، والخلية الناقصة . الاولى في المرأة ، والاثنتان الاخيرتان في الرجل .
وتتشابه الخلية الانثى ( في المرأة ) مع الخلية السينية ( في الرجل ) بأن لكل منها مجموعة من الصفات لا يوجد لها مثيل في الخلية الناقصة . وتتمركز هذه المجموعة في كرمسة خاصة تعرف بالكرمسة السينية ، وهي موجودة في كلا الخليتين المتشابهتين . وحين تجتمع هاتان الكرمستان تجتمع بذلك الصفات المتشابهة ، ولا يحدث هذا إلا باجتماع الخليتين المذكورتين وانصهارهما . وعند ذلك يتكون مخلوق جديد له مميزات الانوثة ، اي انه من الجنس اللطيف . وهكذا تكون الطفلة نتيجة لامتزاج الخلية السينية بالخلية الانثى .
وقد لا تسير القضية على هذا المنوال ، فان انصهرت الخلية الناقصة التي تحمل عوضاً عن الكرمسة السينية كرمسة أخرى ، بالخلية الانثى كان لدينا اذ ذاك مجموعة واحدة فقط من تلك الصفات الخاصة ( اي كرمسة سينية واحدة ) وهذي لا تكفي لان تقدم من الصفات الجنسية ما يجعل المخلوق الجديد انثى ، ولذلك ينتج عن هذا الانصهار جنين ذكر . وهكذا نرى ان الطفل ينتج عن امتزاج الخلية الناقصة بالخلية الانثى .
فمن الذي يسيطر على اجتماع الخلايا وامتزاجها بالشكل الذي قدمناه ؟
يقدم الرجل كلا النوعين من خلاياه - السينية والناقصة . وتقدم المرأة خليتها الوحيدة وهي الخلية الانثى ، فتبقى هذه الخلية السلبية متهيأة لان تتلقف اولى الخلايا الذكرية التي تتهافت نحوها ضاقت القطيع على مورده . فاذا صادف الحظ الخلية الناقصة وكانت الاولى