


بثينة بنت حبا بن ثعلبة من بني عذرة. هام بها وذكرها في شعره جميل بن
عبد الله بن معمر، فعرف بها، حتى انه لا يعرف الا بجميل بثينة. تزوجها رجل يقال له نبيه بن الاسود، وبقي جميل يتردد عليها بلا ريبة، وكانت بثينة من احسن النساء واكملهن ادباً وظرفاً، واطيبهن حديثاً، ولها مع جميل نوادر واشعار ومغازلات كثيرة كلها مستورة بالعفة والادب. منها ان السبب الذي من اجله علق بها جميل، انه اقبل يوماً بابله حتى اوردها وادياً يقال له بغيض. فاضطجع وارسل ابله ترعى واهل بثينة يومئذ في

جانب الوادي، فاقبلت بثينة وجارة لها واردتين الماء، فمرتا على فصال له بروك فنفرتين بثينة، وكانت اذ ذاك جويرية صغيرة. فسبها جميل فبادلته السب وشتمته هي ايضاً. فاستحسن سبابها وهام بها من ذاك الحين، وفي ذلك يقول:
واول ما قاد المودة بيننا
بوادي بغيض يابثين سباب
وقلنا لها قولا فجادت بمثله
لكل كلام يابثين جواب
وخرجت بثينة في يوم عيد، وكانت النساء اذ ذاك يتزيّن ويجتمعن، ويدنو بعضهن لبعض، ويبدون للرجال في كل عيد. فجاء جميل فوقف على بثينة واختها ام الحسين في نساء من بني الاحب، فرأى منهن منظراً لطيفاً. فقعد معهن ثم انصرف وكان معه فتيان من بني الاحب فعلم ان القوم قد عرفوا في نظره حب بثينة، ووجدوا عليه، فغادرها وشبّب بها.
فلما سمعت بثينة ان جميلاً شبب بها، حلفت بالله ان لا يأتيها على خلوة الا خرجت اليه، ولا تتوارى منه. فكان يأتيها عند غفلات الرجال فيتحدث معها
ومع اخواتها، حتى نمي إلى رجالها ذلك، وكانوا غيارى فرصدوه بجماعة، وجاء على الصهباء، ناقته، حتى وقف بثينة وام الحسين وهما يحدثانه. فبينما هو على تلك الحال، اذ وثب عليه القوم، فاطلق عنان الناقة، فخرجت من بينهم كالسهم.
ووعدت جميلًا يوماً ان يلتقيا في بعض المواضع فاتى لوعدها. وجاء اعرابي يستضيف القوم، فانزلوه وقروه فقال لهم: قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرقين متوارين في الشجر وانا اخاف عليكم ان يسلبوا بعض ابلكم. فعرفوا انه جميل وصاحباه، فحرسوا بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده. فلما سفر الصبح انصرف كئيباً سيء الظن بها ورجع الى اهله. والتقت به بعد طول تهاجر فتعاتبا طويلًا وسمع والدها واخوها عتابها، وفيها حبها الشريف النزيه، فتركاهما وشأنهما. ولما علم اهل بثينة باجتماعاتها المتتالية تحالفوا على قتله، واهدر الخليفة دمه لهم. فضاقت الدنيا بجميل، فكان يصعد بالليل كثب رمل ويتنسم الريح من نحو حي بثينة، حتى اذا ظهر الصبح انصرف.
وخرج لزيارة بثينة ذات يوم فنزل قريباً من الماء يترصد امة لبثينة او راعية
