فنّ الصحافة حديث العهد في تاريخ آداب لغة العرب ، يرجع الى نحو مئة وخمسين سنة ، أي منذ امر نابوليون بونابرت بإنشاء « التنبيه » في مصر عام ١٨٠٠ كما روى الباحث توفيق اسكاروس في مجلة الهلال مجلدي ٢٢ و ٢٨ اعتماداً على
البرت جيس الكاتب الفرنسي . وهي التي اسماها تقديراً مؤرخ صحافتنا الفيكونت فيليب دي طرازي « الحوادث اليومية » ( مجلد ١ ص ٤٨ ) استدلالاً من المؤرخ المصري عبدالله الجبرتي ، وعاد الى اعتبارها إياها .
ثم خلفتها « الوقائع المصرية » عام ١٨٢٨ في زمن محمد علي باشا مؤسس نهضة وادي النيل الحديثة ، وعناية الدكتور كلوت بك ، ولا تزال باقية الى اليوم . وقد تلاها « المبشر » في الجزائر سنة ١٨٤٧ بامر الملك لوي فيليب ، الدائمة الى يومنا ، كزميلتها السالفة ، لسان حال الحكومة .
ولم تتوفر الصحف العربية في العالم إلاّ بعد منتصف الجيل التاسع عشر . فبلغ الصادر منها في نصف جيل ١٨٥٢ - ١٨٩٣ غير المصرية المشار اليها قبلاً ، ١٤٦ جريدة واحدة وسبعين مجلة في مختلف البلاد شرقاً وغرباً ، من مراكش الى اليمن والهند ، ومن القسطنطينية الى أوروبا واميركا ، اختصت كلها بالرجال . والصحيفة المثنان والعشرون هي مجلة « الفتاة » .
إن اسرتي نوفل ونحاس طرابلسيتان منذ مئات السنين . وقد ولدت منها كريمتان في بيروت : مريم جبرائيل نحاس ، وهند نسيم نوفل . ألّفت الأولى كتاب « معرض الحسناء في تراجم شهيرات النساء » وطبعت مثلاً منه عام ١٨٧٩ بفضل زوجة اسماعيل باشا خديوي مصر .
اما كريمتها ساره وهند فنشأتا في الاسكندرية متعلمتين عند راهبات المحبة والشيخ احمد الاسكندراني . وقد كتبت الاولى مقالات في جريدتي الاهرام ولسان الحال ، وسألت علماء اللغة وضع كلمتين عربيتين للكلمتين الفرنسيتين « دام » و « دموازيل »
ونالت امتياز « الفتاة » في ربيع ١٨٩٢ . ولما تزوجت اسكندر الياس تحوّل الامتياز الى اختها .
وقد نشأ نسيم عبدالله نوفل ، في محيط ادبي من والديه وخاله نقولا بك وجدته انجلينا الكاتبة الفارسة . وهكذا عاون زوجته مريم في كتابها « معرض الحسناء » واخذ امتيازاً لمجلة « الفتاة » هذه التي انشأتها كريمتاه .
فصدرت « الفتاة » في الاسكندرية في ٢٠ تشرين الثاني ١٨٩٢ ، صاحبتها ومديرة ادارتها هند نوفل ، والمسؤول في شؤونها نسيم نوفل . شهرية في ٤٨ صفحة ، وصفت نفسها بأنها جريدة « علمية تاريخية ادبية فكاهية مصورة » واستهلّت مقالاتها بهذين البيتين :
يا ربة العلم بل يا ربة الكرم
تصفحيه بحسن الود منعمةغضي لحاظك عما خطه قلمي
هذي فتاتك بين العرب كالعلم
ولقد رحّبت بها المجلات ، واعتبرتها « المقتطف » درّة يتيمة بين الجرائد ، تمّت الاخذ بناصرها لتصير شامة في وجنة العصر . ووصفتها « الهلال » باول جريدة عربية انشأتها سيدة شرقية ، جمع جزؤها الاول لطف المرأة ونشاط الرجل . ورأتها « الثمرة » بنت الفكر ، وسيدة الحرائر الفريدة بين بنات جنسها المتخذة العلم دثاراً ومحبة الوطن شعاراً .
وتأهلت بها الشاعرات امثال : عائشة تيمور ، زينب فواز ، وسيلة وليبه فريج ، مريم خالد ، انجلينا صائغ . والكاتبات : هنا كوراني ، استير ازهري ، عفيفة أظن ، مريم حداد اللواتي كتبن كثيراً فيها . مع ساره وهند . ومعهن : سلمى وعبلا نوفل ، لبيبة حبيقة ، ادما اشقر ، أولغا ديمتري ، مهجة السوقي ، مروم انطاكي ، اميليا طراد ، ماري شميل ، ماري شحير . وراسلتها الكاتبة الفرنسية روز إيلتون من ليون مترجماً لها خليل مطران وذاكي مابرو ، والكاتبة الانكليزية اليز بريتون من لندن مترجمها سليم سركيس . والناظمون فيها ولها : ابراهيم الحوراني ، قسطنطين نوفل ، جرجي توما الخوري ، الفيكونت فيليب دي طرازي .
وامتازت « الفتاة » باخبارها النسائية موجزة عديدة . نشرت فصولا من « معرض الحسناء » ورواية « الحرب النسائي » لأستير ازهري ، ورسائل في الآداب والاخلاق وتدبير المنزل وسوى ذلك مما يهم المرأة .
ثم ما لبثت ان بدّلت لفظة جريدة في صدرها بمجلة ابتداء من جزئها السادس ، مستمراً طبعها في المطبعة الشرقية في الاسكندرية الى انتقالها الى مصر حيث طبعت من الجزء العاشر في مطبعة « المقتطف » بالغة صفحات مجلدها الاول ٥٧٦ .
وكان ان انحجبت اولا اربعة اشهر من أيلول الى كانون الثاني وعادت في شباط ١٨٩٤ تكمل اجزاءها مرتين في الشهر ، مفتتحة عامها الصحافي الثاني في اول شهر الورد ، بتحسن متتابع .


