
قلنا انه تولاها منذ نشأتها والد صاحبة امتيازها المسؤول عن شؤونها نسيم نوفل ، فلما تزوجت كريمته « هند » حبيب بك دبانه استقل بالمجلة وحده ، وذلك قبل تأليفه كتابيه « حافظ السلام القيصر اسكندر الثالث » و « بطل لبنان » يوسف بك كرم .
وحين صدور « الفتاة » انتخبت جمعية « باكورة سوريا » البيروتية ، اولى جمعيات النساء في الشرق العربي ، كلا من الاختين صاحبتي امتياز المجلة ساره وهند عضواً فيها .
وعندما نشرت لبيبه هاشم في مجلتها « فتاة الشرق » عام ١٩٠٦ سيرة مريم نحاس نوفل أخذاً عن كتاب « الدر المنثور » لزينب فواز اعتماداً على مجلة « المقتطف » ، وعدت بنشر سيرتي كريمتيها ساره وهند . فاعتذرتا اليها اتضاعاً الاّ تنشر شيئاً عنها . فعوض
الفيكونت دي طرازي في تاريخ الصحافة ١٩١٤ وجوليا طعمه دمشقية في مجلتها « المرأة الجديدة » ١٩٢٤ بما كتبه عن صاحبة « الفتاة » ومديرة شؤونها . وقد اتخذت منه عدة معلومات ساعدتني مع مجموعة المجلة المحفوظة عندي وما اعلمه عنها من سواها ، على تدوين هذه الصفحة عن اول مجلة نسائية في لغة العرب .
انني اشكر « صوت المرأة » لحسن ظنها بي واعتمادها عليّ . زاد الله انغامها .
ولعله مما يحسن الاشارة اليه ان صحافيتنا الاولى ما برحت نزيلة مصر ، وهي اليوم تصطاف كعادتها سنوياً ، في لبنان بمنزلها في صوفر محط رجال اهل الفضل . امد الله في عمرها وعمر زوجها يوسف بك .
في الوصول الى الخلية انصهرت فيها . . . ففسد الام ، ويطيب مزاج الاب اذ وجد من يعينه في كبره ويعينه ! ولكن . . . اذا اخفق الحظ مع هذه الخلية ، استغلت الخلية السينية الفرصة السانحة فتدخل في الخلية الاثنى وتخرج منها محدثة بذلك اجتماع كرمستين سينيتين وخلق مولود اثنوي الصفة . ولا حاجة لنا هنا في التحدث عن شعور الام والاب ! . .
والآن ، هل عرفت كيف يأتي الطفل وكيف تأتي الطفلة ، ومن الذي يستطيع ان يحقق املك فيمسك او ينيبه فيسيء اليك ؟
فقالت : « الصدفة او الحظ »
- اجل . الصدفة او الحظ ، او يد الله ، او الطبيعة ، سمها ماشئت ، فالحقيقة لا تعدو ان تكون قوة خفية غامضة هي التي تسيطر على الانسان في جميع مراحل تطوره والمسؤولة الاولى عن سعادته وشقائه ، نجاحه او اخفاقه .
- بقي علينا الشعر الاشقر ، فمن اين يأتي وكيف يأتي ؟
- نرى مما مر بنا ان المخلوق لا يستطيع ان يظهر من الصفات اكثر مما يمكن في الخليتين التناسليتين المسؤولتين عن تكوينه ( لانه يتكون منها فقط ) .
وقلنا ان كل خلية تحمل في قلبها مجموعتها الخاصة من الخيوط الدقيقة هي الكرسمات . وسأقص عليك الآن شيئاً عن هذه القطع الصغيرة . هذه الكرسمات محكمة التركيب ، دقيقة الشكل يجتمع فيها عدد كبير من اجسام صغيرة يتعذر على الانسان رؤيتها ، حتى ولا بالمجهر . وكل جسم من هذه الاجسام يتألف
من قوة كامنة متهيأة لان تحدث في الانسان الجديد صفة خاصة تختلف عما تحدثه الاجسام الاخرى . وتختلف هذه الاجسام في الكرمسة الواحدة ، وفي الكرمسات في الخلية نفسها ، وقد تختلف او تتشابه في كرمسات الخلايا ( التناسلية ) في الشخص الواحد . وتتعدد بتعدد الصفات التي يملكها الانسان ، اذ ان لكل صفة جسم خاص ينوب عنها ويمثلها في احدى كرمسات الخلايا التناسلية - فالشعر الاشقر مثلاً مثله الخاص ، ولزرقة العينين ، وبياض البشرة ، والقامة ، وشكل الانف ، والشفاه والاذن وغيرها ممثلون يختصون بها . وقد تحوي الخلية الواحدة جميع الممثلين لجميع الصفات وقد تفتقد خلية ما لواحد من هؤلاء الممثلين ( او الاجسام ) في حين تفتقد خلية اخرى الى مثل آخر غير هذا .
يجب ان لا يغيب عنا ان ما نعنيه بالصفات التي يملكها الانسان الصفات التي يرثها لا التي يكتسبها اذ ان عالم الطبيعة اكثر حكمة من المجتمع الانساني . فاذا حق للذي يكتسب جنسيته ان يعطي صوته وينتخب ممثلاً له ، فلا يحق للصفة المكتسبة ان تفعل ذلك ابداً . فاذا قطعت ذراع انسان - لا سمح الله - اكتسب بذلك صفة خاصة به ، وهي ذراع مقطوعة . ولكن اطفاله يولدون اصحاء دون عاهة . فهذه الصفة صفة لا يمثلها في برلمانات ( كرمسات ) الخلايا التناسلية اي نائب او ممثل ، ولهذا تفرض دون ان تسم كيان المولود بالتشويه او تضعفه ، او على الاقل تؤثر في تطوره ورقيه .
ولكن الصفة التي يرثها الانسان عن امه او ابيه ، والتي تكون بذلك عاملاً من العوامل
الفعالة في تطوره - تلك الصفة « المواطنة » والتي يشعر المرء انها قسم من كيانه وفرد من افراد عائلته رافقتها مع الاجيال ، ان تلك الصفة هي الوحيدة التي يحق لها ان تؤثر في الجيل المقبل واتجاهه وان تصل بين السلالة والذرية . ولانها منوطة بذلك الواجب تستطيع ان تنيب عنها من يمثلها . وبكلمة اخرى ، ان ما نرثه عن آبائنا نورثه لأبنائنا ، مع بعض التحوير في بعض الاحيان ، لا اكثر ولا اقل . هذا منطق الطبيعة وحكمتها ! . .
فاذا خلت عائلات والدك وامك وزوجك منذ فجر تكوينها ، من ذوي الشعر الاشقر ، فاغلب الظن ، ان لم يكن كله ، انك لن تلدي طفلة ذات شعر اشقر . اما اذا كنت تصرين على الرغبة في هذه الطفلة ، فما لك الا ان تتخذي زوجك من ذوي الشعر الاشقر . وبالرغم من ذلك قد لا يلمح ذلك اللون الفاتن على رؤوس ابنائك قط ، بل بين احفادك او ابنائهم . وقد لا يبدو في ذريتك ابدا .
ويسري هذا القانون على كل صفة وراثية اخرى .
فقالت ، وقد علت محياها رغبة متسائلة :
- ولماذا ؟!
فأجبتها :
- الصدفة او الطبيعة او يد الله ، لها انظمتها ، وهي تسيطر وتلعب دورها الهام في انتخاب الممثلين عن الصفات الوراثية وتصنيفهم كيف تشاء ، ايضاً .
وتركتها تفكر . . .