وأخيراً ، وبعد عدة مخابرات تلفونية وصعوبات جمة ، تمكنا من الوصول الى معالي وزير الصحة والاسعاف العام الامير مجيد ارسلان ، والحصول منه على موعد لزيارته في وزارته . حدد الموعد وعين النهار فقصدنا الوزارة حسب الاتفاق ، واذا بالحاجب يخبرنا بأن معالي الوزير مشغول ، وبأن علينا ان ننتظر مدة قبل الدخول عليه رغم الموعد المحدد .
جلست وصديقتي اتأمل وزارة الصحة لاشغل نفسي ريثما يفرغ معالي الوزير لمقابلتي . بناية قديمة اخنى عليها الدهر ، تكاد تكون عارية الا من بعض المقاعد البسيطة المنتشرة هنا وهناك . جدران عالية قد تأكل صبغها ، تزينها بعض الرسوم التي لا تدل على تجدد او عناية . هو كبير يغص بالزائرين : المخاتير ومن يطلبون الوساطة للحصول على الوظائف التي اصبحت اليوم اكبر تجارة في دواوين الحكومة على اختلاف انواعها ونزعاتها ، مما يدل على ان حكومتنا - حفظها الله - لا تهتم بالطفل وصحته ومكافحة الوفيات وتحسين النشء ، بقدر ما تهتم بامور اخرى ...
انتظرنا وانتظرنا وطال انتظارنا حتى اننا اصبحنا على يقين من ان معاليه والحاجب قد نسيا وجودنا والموعد المضروب . واخيراً ارسلت لنا الصدف وجهاً نعرفه فاستنجدنا به لحل الازمة التي نحن فيها ومساعدتنا على ما جئنا من اجله فابتسم الصديق مؤكداً نسيانهم لنا نظراً لانهاك معاليه بالاشغال الكثيرة التي تلهيه عن امور كهذه . ثم قادنا الى غرفة الوزير ، وبدون استئذان حتى ولا بضربة ، فتح لنا الباب فوقعت انظارنا على معالي الوزير
الذي بادرنا بالترحاب واعتذر منا . فطلبنا منه بعض الايضاحات البسيطة عن المشاريع الحديثة التي تقوم بها الحكومة لاجل الطفل والمدارس التي فتحتها له ، والمستوصفات التي اقامتها لحمايته ، وطرق الحماية ، ومكافحة الوفيات ونسبتها ومدى تحسنها في السنين الاخيرة ...
فكر معاليه قليلاً واجابنا بان طفله مثال لصحة الطفل اللبناني ، وانه قد فاز بمبارات الجمال في الحفلة التي اقيمت للطفل مؤخراً . وكان بودي اجابته بانه ليس جميع ابناء لبنان اولاد وزراء ليتسنى لهم الفوز بجوائز الصحة والجمال ، ولكني لزمت الصمت . ولا انكر ان محيا معالي الوزير صورة ناطقة للصحة والقوة والا لما اخذ وزارة الدفاع ومثلها خير تمثيل ، ولا اظن انه كان على عكس ذلك في طفولته .
ولما لم احصل على جواب لسؤالي بعد تفكير معاليه ، اعدت عليه السؤال عن جهد الحكومة ووزارة الصحة خاصة في العناية بالطفل ، فاجابني بسرعة وهو واقف : « نحن نقدم الحليب للاطفال الفقراء وللبلدية مستوصف لتطبيبهم مجاناً » ولما
استفسرت عن وجود مثل هذه المستوصفات في القرى اللبنانية اجابني بان الامور مرهونة باوقاتها ، وبانه في المستقبل القريب - ان شاء الله - اذا بقي في الوزارة - وزارة الصحة طبعاً - سيعمل على ايجاد جميع تلك الوسائل . وقد اعتذر عن عدم معرفته لنسبة احصاء الاطفال والوفيات لانه جديد في هذه الوزارة .
ثم تكرم واحالنا على مدير الصحة العام للاستفسار منه عما لم يقدر ان يفيدنا به بنفسه ، لكن مع شديد الاسف ، كان حضرة المدير جديداً ايضاً في مديرية الصحة فابدى بدوره عجزه عن الاجابة لعدم معرفته ما يجري حوله لانه جديد !! ثم احالنا الى موظف آخر اظنه مستشار الصحة الذي اظهر كل رغبة في مساعدتنا ، فقال ان الحكومة مجدة في ايجاد مستوصف للاطفال ، وتوزيع الحليب المعقم على الفقراء منهم ، على ان هذا يحتاج الى وقت طويل ، وميزانية اوسع من الميزانية الحاضرة ليتسنى للوزارة الجليلة القيام بمشاريعها العديدة التي ما زالت قيد البحث والتمحيص والتي على ما اعتقد ستبقى قيد البحث الى ان يقضي الله امراً كان مفعولا ...
وفي الوقت الذي فيه توضع هذه المشاريع قيد البحث والتدقيق في انشائها او عدمه - اذا ساعدته الميزانية على ذلك - يتولى مناخ لبنان الانتباه لصحة ابنائه ريثما يتم البحث وينتهي المشروع .
ولما طلبت منه اعطائي فكرة عن بعض الاحصاءات والميزانية الحاضرة ونسبة الوفيات بين اطفالنا ، اعتذر عن الجواب لجهله العدد الصحيح ولان الجواب يقتضي الدقة - لان كل ما تقوم به الوزارة يجب ان يكون دقيقاً - ولان الموظف المسؤول عن حفظ الملفات المطلوبة غائب عن الشغل !! ...
وهكذا خرجت من وزارة الصحة الجليلة بخفي حنين ...
« دنيا »


