حيّرتني إذ سألتني ما هي أحب الروائع الفنية إليّ، ثم شئت أن تعرف لماذا هي أحب رائعة؟ فكأنك طلبت إليّ انتقاء واحدة فحسب. ولكي أكون صريحاً معك وأميناً لنفسي أعترف أني لم أوطّن عاطفتي على صورة ما، أحسبها مثال الكمال الفني، وأعلق نسخة منها في صدر قاعة الاستقبال وأدلها ضمن إطار ذهبي، بل رحت أنقل فؤادي ما استطعت بين هذه وتلك على اختلاف المدارس ومشاهير الفنانين، ولا أنكر عليك أني كثيراً ما استسيغ صورة هي لمجهول دون سواه من عباقرة الفن مراعياً ذوقي الخاص ضارباً عرض الحائط باعتبارات كثيرة.
فأنا لو خيرت أن أنتقي واحدة وكان مطمعي المال لانتخبت مثلاً رائعة رافائيل المشهورة « عذراء سان سيستو » أو رائعة دافنشي « المونا ليزا » — مع كل مقتي لهذه الأخيرة بجلالتها الحاضرة. ولو خيرت أن أنتقي صورة تعيد إليّ تذكارات الصغر لاخترت رائعة مونكاكسي « يسوع أمام بيلاطس » التي فتحت عيني عليها في صالة بيت أبي، أو مثلها صورة الأنجلوس « ناقوس المساء » لميله. أو إذا خيرت أن تكون لدي صورة أباهي بها في الدواوين لانتقيت إحدى قطع رمبرانت أو كاينزبرو مثلاً أو فان كوه. ولكن هذه كلها ليست بالصورة التي يرتاح لها خاطري كل الارتياح.
ولكي أصل إلى جواب حاسم يتحتم عليّ انتهاج خطة تشذيبية فأبدأ بكل قديم إن على صخر أو جدار كهف أو قبة معبد لأن التاريخ والسبيل التي سلكها الفن قبل وصوله إلى ما هو عليه الآن لا يهمّني كثيراً. وكذلك لا تستهويني عظمة الروائع الإيطالية وكمالها التي تزين الكنائس والصور واللوحات المكنوزة في متاحف
إيطاليا، يطأطئ الألوف رؤوسهم أمامها كل يوم. واستثني مما أحب — مع كل تقديري وإجلالي — كل ما أنتجته مدارس إسبانيا وهولندا والبلجيك، حتى المدرسة الأفرنسية التي ما زالت تتأرجح بين الجمال الخلاب والحقيقة العارية وإن تكن قد أصابت منهما شطراً كبيراً. ثم أمرّ بالمدرسة البريطانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مرّ المتفرج المعجب، وأبلغ العصر الحديث بما فيه من مذاهب ونزعات فنية ترمي إلى التخلص من قيود التقليد فتندفع إلى أقصى حدود المبالغة والاستهتار.
فالمدرسة التي أختار منها رائعتي هي المدرسة العالمية المعتدلة التي لا تنسب إلى عصر أو بلد أو مذهب بل هي التي آلت إليها طرق الفن فيما سلف والتي تنحدر عنها أساليب ونظريات الحاضر والمستقبل من
تأثيرية ( امبرسيونيزم ) وتجردية ( ابستراكت ) ومكعبة ( كوبيزم ) ورمزية ( سيمبوليزم ) وخلافها إلى ما هنالك من فلسفات كثيراً ما تؤدي إلى السفسطة. ولا يهمني الاقتناء بقدر ما يهمني الابتداع فالصورة التي اختارها هي التي أتمنى لو كنت أنا قد رسمتها بريشتي. وعلى هذا الأساس قلما أشتهي لو كانت من إنتاجي روائع ميكل انجلو وفانديك أو مبتكرات بيكاسو وبراك. والموضوع كذلك لا أراه أساسياً مع أنني أفضّل بوجه عام صور الأشخاص ثم المناظر الطبيعية ثم الزهور والجمادات ثم المواضيع العاطفية والقصصية ومنها التاريخية.
إن رائعتي هي هذه التي تظهر على الصفحة المحاذية والتي كلما راجعت ذاكرتي وقلّبت كتب الفن استوقفت بصري فاتحة في نفسي قابلية لإرهاف ريشتي العاجزة. فالمصور جون سارجنت من أصل أميركي ولد في إيطاليا ودرس في فرنسا واشتغل طيلة عمره في إنكلترا فكأن الماضي والمستقبل يجتمعان في لوحاته إذ أنه توفق إلى أسلوب كلاسيكي خال من أي جمود أو ابتذال وعرف الحد الفاصل بين التقليد والتحرّر. عاش في أواخر القرن المنصرم وأوائل القرن الحالي ولم يتزوج بل وجّه كل نبوغه إلى تنمية فنه وتهذيبه حتى بلغ فيه سهولة لا يشوبها تكلف أو عياء. فصورته هذه — مسز ماتياس — مثل كل صوره التي عرفتها بلوحاتها الأصلية، خالية من التدليك والحفزة والمحارفة وإلقاء الأصباغ دون قيد أو حساب. فالألوان موضوعة فيها بإحكام بيد ثابتة وبطريقة مباشرة، بريشة عريضة ملائمة. فكأنه لا يتعثر بالوسائل في التعبير عن حسّه وقد


