بما لا شك فيه أن الورق قد لعب دوراً هاماً في نقل المعارف الإنسانية وحفظ الحضارة وتراثها من جيل إلى جيل. فقبل وجود الورق لم يكن بالإمكان نشر التعليم وشيوعه. لذلك فليس من المبالغة إذا قلنا أن الورق هو الأداة الكبرى التي سهلت نشر العلم والثقافة بين بني البشر، وأنه أحد أحجار الزاوية في مدنيتنا الحديثة.
وللورق تاريخ قديم، فلقد عرف الصينيون كيف يصنعونه من الحرير. وفي المتحف البريطاني مخطوطة صينية يرجع تاريخها إلى سنة ٢٥ بعد الميلاد...
على أن العرب تقدموا في فن صناعته تقدماً كبيراً إذ استطاعوا أن يستعيضوا عن الحرير النادر بالقطن الرخيص. فكان عملهم هذا خطوة كبرى إلى الإمام.
وصناعة الورق اليوم تعتمد على الخشب كمصدر أساسي ومادة أولية، لذلك فهي تحتاج إلى بلاد تنمو فيها غابات متسعة ويوجد فيها نظام ناجع للتحريج حتى يستطيع التعويض عن الأشجار المقطوعة بأخرى جديدة. مع أنه من الممكن إنتاج بعض أنواع الورق من القنب وقشر الأرز والقش وخيوط الكتان. على أنه مهما اختلفت أنواعه ومصادره فالورق يتألف دائماً من ألياف «السليلوز» (fibres de cellulose) والسليلوز مادة عضوية توجد في جميع النباتات. فالقطن يحتوي على حوالي ٩٥ بالمائة والخشب حوالي ٤٠ بالمائة منها.
وتختلف أنواع الورق، لا بحسب مصدر الخشب، بقدر ما تختلف بالطريقة التي تصنع بها. فهناك مثلاً ورق الجرائد وصناعته بسيطة نسبياً، وهناك الورق الصقيل اللماع، وهناك ورق الكتابة، وهناك الورق المقوى «الكرتون» والورق المستعمل لصناعة الأكياس وأوراق لف البضائع الخ...
على أنه ليس بالإمكان الإلمام بطرق صناعة جميع هذه الأنواع، لذلك سأكتفي بذكر تفاصيل الطريقة المتبعة في صناعة الورق العادي الذي نستعمله للكتابة أو لطبع الكتب، مكتفياً بالإشارة لصناعة بعض الأنواع الأخرى في آخر المقال.
أول خطوة في صناعة الورق هي تقطيع الخشب إلى قطع صغيرة لا تتجاوز سماكة الواحدة منها عن الستيمتر أو الستيمتر ونصف. ويتيسر هذا بواسطة دواليب كبيرة تركب فيها شفرات فولاذية حادة.
وبعد عملية التقطيع يمر الخشب على منخل لإزالة ما علق فيه من النشارة ثم توضع القطع الخشبية الصغيرة في آنية كبيرة استعداداً لطبخها وفصل السليلوز عن المواد الخشبية الأخرى التي تؤلف حوالي ٦٠ بالمائة من وزن الخشب. ولتحقيق هذه الغاية تمزج القطع الخشبية مع محلول ١٠ بالمائة من القطرون «أي محلول يتركب بنسبة ١٠ غرامات قطرون إلى ٩٠ غرام ماء» ويوضع الجميع في الآنية الخاصة ثم ترفع درجة الحرارة عالياً مدة ستة ساعات تحت ضغط يساوي حوالي ١٥ كيلو للسنتيمتر المربع وعند نهاية الساعات الست تكون المواد الخشبية غير السليلوزية قد ذابت في محلول القطرون تاركة ورائها السليلوز لأنه غير قابل للذوبان في هذا المحلول.
وهناك طريقة أخرى تؤدي إلى الغاية
نفسها، وهي تتلخص في مزج القطع الخشبية الصغيرة مع محلول يحتوي على غاز يدعى ثاني أوكسيد الكبريت (bi-oxide de Soufre) عوضاً عن القطرون. وللحصول على هذا المحلول الكبريتي يحرق الكبريت ضمن أوعية مغلقة إلا من أنابيب في أعلاها فينتج عن احتراق الكبريت الغاز المشار إليه فيمر هذا الغاز في الأنابيب التي توصله إلى آنية طبخ الخشب حيث يمتزج مع الماء ليؤلف المحلول الكبريتي المنشود ثم ترفع درجة الحرارة أيضاً تحت ضغط مماثل للضغط الأول، غير أن مدة الطبخ تدوم عشر ساعات بدلاً من ست.
وسواء استعمل محلول القطرون أو محلول غاز الكبريت فإن السليلوز يفصل بهاتين العمليتين عن المواد الخشبية الأخرى ويبقى في الآنية على هيئة معجون رمادي اللون، وعندها يغسل بالماء الحار لإزالة ما لا يزال عالقاً به من القطرون أو المواد الكبريتية. لكن لونه الرمادي يجعله غير صالح للاستعمال بعد. لذلك فإنه يبيض بواسطة مادة تشبه ماء جافل (Eau de Javelle) وتصنع بواسطة جعل غاز الكلورين يتفاعل مع الكلس المطفئ فينتج عن ذلك مسحوقاً أبيض يميل إلى اللون الرمادي يدعى مسحوق التبييض (Poudre de blanchissage) فإذا مزج هذا المسحوق مع الماء والمعجون


