
ان حركة دور الحضانة ورياض الاطفال حركة حديثة ناشئة لم يمض على تأسيسها سوى مئة سنة ونيف. ففي مطلع القرن التاسع عشر انشأت الاختان راشيل ومرغربت ما كميلان اول دار للحضانة في انكلترا. وفي سنة ١٨٣٨ انشأ (فردويل) اول روضة للاطفال في المانيا مبنية على مبدأ انماء الطفل بالنشاط الذاتي والعناية بالتربية الاخلاقية والجسدية.
ان الاهتمام بتربية الطفل اللبناني ورعايته امر اساسي في بناء كيان امتنا، اذ ان مقياس رقي أمة ما هو بقدر ما تصرفه من اهتمام جدي صحيح في رعاية اطفالها وحمايتهم من امراض جسدية واخلاقية وتشييدها لناشئتها الجديدة المدارس الفنية الخاصة بهم. ان امة وعت هذه المشكلة الاساسية الكبيرة هي امة لاشك في انها تجابه اهم الامور واخطرها وتعالج مصيرها بنفسها.
ففي بلادنا عدد قليل من رياض الاطفال معظمهم يندمج في برامج التعليم في المدارس الاجنبية والوطنية، ويقتصر هذا العدد على المدن دون الارياف. وقد بدأت يقظة تربوية ناجحة، وتنبهت سيداتنا الى مشكلة الطفل واخذت بعض الجمعيات النسائية على عاتقها فتح الرياض، كجمعية رعاية الطفل في طرابلس وجامعة نساء لبنان في بيروت وجمعية النهضة النسائية في زحلة وجمعية المقاصد الخيرية الاسلامية في بيروت.
ان هذه الرياض التي نشأت عن وعي وليس للحاجة اليها تستحق القائمات بها كل تقدير ومساعدة. ويتضح من هذه المحاولات التربوية مقدار ما وعته جمعياتنا من عظيم تأثير البيئة في تربية اطفالها خصوصاً في سنيهم الست الاولى. اذ انها العامل الثاني بعد عامل الوراثة الذي يؤثر في تكوين شخصية الطفل.
ولكن لا يخفى في الوقت نفسه ان الجمعيات النسائية قد كثرت في البلاد ولا نزال نرى مجالاً واسعاً لعمل البر والاحسان مهما صرفنا من جهود واموال

لسد هذا العجز. واذا دققنا في بحث حاجة البلاد من الناحية الاصلاحية الثقافية اتضح لنا اننا نفتقر في عدة مناطق الى غير هذه الاعمال السطحية.
فهلا تنبهت جمعياتنا النسائية العديدة الى تحوير غاياتها من خيرية الى ثقافية وتعاونت هذه المؤسسات مع الحكومة على القيام باعمال اصلاحية اصيلة كفتح دور الحضانة ورياض الاطفال التي لا تزال محصورة في بعض المدن الكبرى، فقط.
اننا مهما بذلنا من اموال واعانات للاولاد المتشردين في ازقة المدن فلا ندفع عنهم الا بعض العوز فقط، وبعملنا هذا لا نعالج اسباب تشردهم على الاطلاق فيظلون عالة على المجتمع. فهل يا ترى يبقى ميل الاجرام والتشرد والتسول في الصغار اذ اعتنينا بهم منذ الصغر فتعرفنا باكراً الى نواحي القوة والضعف في نفوسهم وشجعنا فيهم ما يستحق التشجيع دون سواه؟! الا يجوز ان نكتشف في طفل اليوم ميلاً الى مهنة او عمل ميكانيكي او موسيقي فيصبح غداً نافعاً لمحيطه، بدلا من ان يصبح عالة عليه بدون هذا الاكتشاف والتوجيه المبكرين.
لذلك ارى لزاماً توجيه نظر المنظمات النسائية (والحكومة واغنياء البلاد) الى بعض ما نفتقر اليه في بلادنا من هذا القبيل لكي تتعتق اعمالها اكثر فاكثر من طابع السطحية والخيرية وتتصف بطابع الاصالة والاصلاح السبي:
١ - تشجيع الآنسات على التخصص في فن التربية وادارة الرياض.
٢ - تشييد دور الحضانة وتعميم رياض الاطفال في كل مناطق البلاد.
٣ - تأليف قصص وروايات واناشيد
ومقطوعات عربية تلائم الطفل اللبناني وتراثه الثقافي وتنمي فيه الخيال (غير مقتبسة عن التراث الغربي بحرفيته) ولا يخفى ان حاجتنا الى ادب عربي للطفل ماسة جداً.
٤ - انشاء مكتب تربية الطفل في وزارة المعارف والغرض منه :
ا - السعي لتأليف وترجمة النشرات المختصة باحدث طرق التربية والتهذيب ومبادئ الصحة.
ب - توزيع النشرات على المدارس والرياض والجمعيات النسائية.
ج - كتابة بعض هذه النشرات مصورة بطريقة سهلة كي يسهل على الأم القروية الاستفادة منها.
٥ - فتح مراكز لتسلية الولد في بعض القرى التي يمكن فتح روضة فيها، يشتمل على ما يتناسب مع العمر من اعمال يدوية والعاب.
٦ - العناية بايجاد افلام سينمائية خاصة بالطفل.
٧ - ظهور مجلة خاصة بالاطفال على غرار «سمير الصغار» و«مورد الاحداث» و«روضة الاطفال».
٨ - تأسيس مكتبة خاصة للصغار تتناسب مع اعمارهم من ٥ الى ١٢ سنة في كل مدرسة او مدينة لتمكن الولد من تمضية قسم من اوقات فراغه خارج الروضة او المدرسة او البيت ينصرف فيها الى الموسيقى والاناشيد الوطنية والقصص والصور الفنية.
ان جمعياتنا النسائية تفاخر بحق انها تتجه شطر انشاء الرياض، وهذه لعمري بادرة تفاخر بها لأنها تدل على مسعى اساسي اصيل. ومن احرى من المرأة بان يعي مشاكل الطفولة وان يعنى جديا بكل اقتراح ايجابي توجيهي في حقلها؟ ان بادرة تأسيس دور الحضانة ورياض الاطفال اكثر اعمال سيداتنا اصالة حتى الوقت الحاضر وسوف تزداد اعمالهن اصالة كلما رغبن عن فتنة الظهور على وجه المياه واتجهن غوصا الى الاعماق.