أشدّ ما يُبلى به بلدٌ هو «التسيّس»، ذلك «التسيّس» المهاتِر، المُلغّى، الغارق في لجّة الفراغ؛ والمماحك، المتحزّب، المنصرف عن الألباب إلى القشور؛ والخالق لنفسه أصناماً من التعابير الدهمائية الجوفاء؛ والناسج حول القيم المطلقة أوهاماً من الواقعية البليدة والنظامية المصطنعة.
ومن شأن هذا «التسيّس» أن لا يعمّر إلا ليهدم، ولا يهدم إلا ليصل إلى مأرب. فكأن الحياة سدىً من جسدٍ لا يداخلها نفحةٌ من روح: وإذن، فما ضرّ المرءُ لو خسر نفسه وربح العالم – هذا العالم المتسابق في مضمار الفناء، لما يقيّم من نظريات زائفة عن صراط الحق.
ومن شأن هذا «التسيّس»، كذلك، أن ينحدر بالأمور على إطلاقها إلى صعيدٍ سياسيٍّ، فيصدر حكمه عليها أو لها مستنداً إلى ما يأوّله عنها من غايات الربح والانتفاع.
ومن شأنه أيضاً، أن يعمد إلى حل المشاكل باللجوء إلى ظواهرها دون بواطنها، فإذا حلوله هذه مخدّرات، أو قل، مستنقعات ينتشر فيها الدجل والنفاق. وكثيراً ما يختلط، في مثل حالٍ كهذه، الحابل بالنابل وتنقلب الأوضاع انقلاباً يجعل الجدّ هزلاً، والإيمان حماقة، والحرية فوضى، والتمسك بأهداب الحق بلاهة وعجزاً.
وإنه لمن سوء الطالع أن يبلى بلد كلبنان «بالتسيّس»، وهو البلد الذي لم يخلق إلا ليكون شاطئاً للحقيقة، وسهلاً للجمال، وذروة للخير والمعرفة والحرية. ألا فليبقيَنّ كذلك، وليعلم «المتسيّسون» من أبنائه أنهم يجرمون حين يقذفون به في تيار «سياستهم» الصاخب. فلست أدري، والله، ماذا الذي يجنيه بلدٌ وادعٌ كلبنان من ورائها إلا الانهيار في حمأة العقم والفساد. وها نحن، اليوم، نشاهد تباشير هذا الانهيار: ففي الدين إلحاد جاهل أو تعصب ذميم، وفي الأخلاق انحلال أو فقدان للقيم والمقاييس، وفي الفكر إسفاف أو تعلّق بأذيال الآراء المتمردة على الميراث الحق الأصيل.
وكم كنا نتمنى لو سلم لبنان من آفة «التسيّس». إذن، لانصرف بقلبه وروحه وعقله إلى العمل البنائي الوطيد: فبنى دولةً مثاليةً حديثةً تحرس هذا الشاطئ الأبيض الأمين، وتستثمر كل شبرٍ من أرضها الفياضة باللبن والعسل، وتزرع الجبال والهضاب الجرداء أحراجاً من الصنوبر والسنديان، وتنشئ القرى الزراعية الحديثة، وتخطط المدن من جديد على قواعد الفن والجمال، وتؤسس المعاهد وفقاً لما توصل إليه علم التربية في القرن العشرين، وتنظم البعثات الدراسية إلى أمهات المعاهد في الغرب، وتوحّد اللباس على هندام واحد، وتبعث الحياة في اللغة، وتصفّي الحساب نهائياً مع تراثنا الفكري فتصنّف الرصيد وتنشره وتعلّمه، وتنقل إلى العربية تراث الحضارة الإيجابي لكي نعود إليه ونعيشه. أو قل، بجملة واحدة، تجعل من أبناء لبنان أشخاصاً أحياءً في مجتمع حيٍّ يعيش، داخل التاريخ، في هذا العصر الحديث.
ألا قاتل الله السياسة – وعلى الأخص متى كانت «تسيّساً» كما هي الحال عندنا – وسامح من مواطنينا أولئك الذين يؤمنون بأن هذا البلد الفريد يتوصل يوماً، عن طريق السياسة فقط، إلى احتلال مكانه اللائق به تحت الشمس.

