إن أنس لا أنسى نصيحة معلمة فاضلة، معلمة درس الأخلاق، كانت تكررها لنا في نهاية درسها، ونحن لمّا نزل على مقاعد الدراسة أول ما بدأنا نتفهم معنى الحياة.
كانت تطلب من كل منا أن تقف خمس دقائق من وقتها عندما تأوي إلى فراشها قبيل النوم، لعملية ذهنية بحتة، تسائل فيها نفسها عن كل عمل قامت به في يومها وعن كل بادرة خطرت لها فيه، فتذكر ما اطمأنت له وسرّت وما انزعجت لحدوثه وغضبت، فتستعيد هكذا، أفعال اليوم في مخيلتها ثم تفكر قليلاً في نتيجة هذا الإحصاء، فتندم على الهفوات والذنوب التي اقترفتها من مكر وكذب ونفاق الخ ... وتصمم طبعاً تحاشيها في الغد، كما أنها تبتهج ضمناً للصالحات وتنوي تكرارها فيه.
تلك عملية سهلة جداً ولكنها لا تخلو من الأهمية، فهي تساعد على تقويم النفس وعلى تنمية العقل حتى وعلى تغذية بذور الفضيلة بذلك الاتصال المباشر مع الضمير الحي عند عملية الإحصاء هذه، التي تصبح على الكر والتكرار بمثابة امتحان لا للضمير فقط بل للشخصية بكاملها.
فما هو الضمير؟ أليس هو ذلك الصوت الإلهي الخفي، الكامن في نفوسنا؟ أليس هو الوسيط بيننا وبين الخالق، الذي يجعلنا نشعر بالارتياح لكل عمل طيب نأتي به، والذي يؤنبنا لكل خطيئة نرتكبها؟
إن الضمير الحي ثروة كبيرة للإنسان إذا أحسن استثمارها أصبح، وأيم الحق، من أحسن الناس خلقاً وعملاً وتفكيراً، وإن أهملها وجهل ماهيتها، أمسى في عداد المفسدين والمجرمين أيضاً.
بيد أنه لا يمكن القيام بامتحان الضمير والحصول على فائدته المرجاة، إلا لمن طابت سريرته وكان بفطرته مجبولاً على حبّ الخير والغير، لا لمن يُجبل على الأنانية وكان ميالاً للمفاسد والمكاره وشريراً ميت الضمير. يقولون إن المجرم يتألم كلما فاوضته بالإثم سريرته، وذلك في بادئ أمره، بالإجرام عندما يكون ذا ضمير يقظ ولكنه إذا استمر على سيرته، لا بد واصل إلى يوم لن تفاوضه فيه بالإثم سريرته، ولن تشعر بألم قط، فقد كبت صوت ضميره
في المرة الأولى وكذلك في المرات التالية إلى أن أصبح ذا ضمير صامت، كمن لا ضمير له.
وما لا شك فيه أنه لو ثابرنا على طريقة امتحان الضمير مدة من الزمن، إن لم أقل مدى الحياة، لأصلحنا كثيراً من عيوبنا، ومن لا عيب فيه؟ ولقوّمنا اعوجاجات عديدة متأصلة فينا. فكم نشاهد شواذ اعتدنا على قبولها بداعي المدنية التي شوهنا بعض مظاهرها وألبسناها ثوب السخافة والركاكة ... وكم نشاهد إجراماً بلا عقاب، ألفناه حتى أصبح لدينا وكأنه أمر طبيعي، فنحاول إخفاءه عن أعيننا ونحن مبصرون ...
مما يذكر عن المرحوم أحمد حسنين باشا، الذي كان علماً من أعلام الأمة العربية، ومثال الرجولة أنه أخذ معه حين خرج لاستكشاف الصحراء، كتاب «الأفكار» للإمبراطور والفيلسوف الروماني مارك أوريليوس، ويقول، رحمه الله، إن الكتاب ساعده في إبعاد اليأس عنه وأنقذه من الانتحار لما فيه من رباطة الجأش واقتحام العقبات والصمود لها، ومن الدعوة إلى الصبر، ومن مآثر هذا الكتاب: «في مساء يوم معركة كبيرة قضى مارك أوريليوس ليلة وهو يفكر في يومه ويحلل نفسه وينقد الأخطاء التي اقترفها والأعمال العادلة التي أداها فيه.» — «وأنا (يقول أحمد حسنين) دون أن أكون إمبراطوراً ولا فيلسوفاً أستعيد كل ليلة، قبل أن آوي إلى فراشي، ما مرّ عليّ في يومي محللاً الأخطاء الخلقية التي ارتكبتها والأخطاء السياسية كذلك».
فحبذا لو نتمرن جميعاً على امتحان ضمائرنا: نساؤنا ورجالنا، ساستنا وأدباؤنا، تجارنا وموظفونا، أطباؤنا وصحافيونا، طلابنا وأساتذتنا! فلو فعلنا ما أتوخاه لاستقامت أمورنا وسرنا في طريق الهداية التي سارت فيها الأمم الصالحة قبلنا، ولاستطعنا رفع رؤوسنا مرتاحي الضمير، باسمي الثغر ناصعي الجبين وكما أن قيمة المرء برجاحة عقله ونقاوة قلبه فإن فخر الأمة بكمالها الذي لا يستقيم إلا باستقامة أخلاق أفرادها وشرف أعمالهم.
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
وإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

