ينالوا مني . او ماذا استفادوا؟» ولم يكن في صوته شيء من لهجة الغضب او الحقد ولا في نظرته شيء من الكآبة التي كانت عليه في ايامه الاخيرة ، او الحدة الثاقبة التي الفها فيه عارفوه. فكأن التأمل المتواصل كان قد ازال عنه الكآبة والحدة والغضب . وما كاد ينتهي من الجملة التي تكلمها حتى تراجع شبحه واختفى في مركز الهالة . واذا بي اشعر بدافع شديد يوقظني الى الوعي ضد قوة تمانعني فتبقيني في فضاء لا عوالم فيه . ولكن بعد جهاد قوي عدت الى اليقظة فاذا بي اشعر دقات قلبي في رؤوس اناملي وسيل دمي في الشرايين الشعرية في غلاف جسدي وكأني كنت اتنفس غاز الهيدروجين او الهيليوم وبقيت مدة لا ادري افي اليقظة انا ام في المنام حتى عدت الى الحالة النفسية السويّة . واذا بي بعد ذلك الاختبار قد فقدت انا ايضاً ما كان في نفسي من شعور النقمة ضد القتلة واصبحت اشعر ان الشفقة على القاتل كما على المقتول هي اولى من النقمة .
ليفسّر الاحلام كل بحسب ما اعطي له . فما الاحلام سوى اختبارات من اختبارات الحياة ، لها معناها ومغزاها ولا تقل في اهميتها عن اختبارات اليقظة ، ففيها سر عميق من اسرار الحياة !
كان خليل الصليبي يسكر ويُسحر بجمال لبنان. ومثله زملاؤه وتلامذته الذين اخذوا عنه ولا يزالون بين ظهرانينا يحاولون تفتيح عيون مواطنيهم لادراك الجمال خصوصاً ما تجلى منه في جمال موطنهم . ويشاركهم في ذلك الكثيرون منا الذين يعشقون جمال بلدهم . وكان يجهد تعليم طلاب المدارس التصوير رأساً عن الطبيعة لكي يتدربوا على الملاحظة وتتفتح عيونهم فيبصرون الكثير مما يمرون عليه وعيونهم عمياء عنه . وبتفتح ابصارهم يدركون الجمال الذي في الطبيعة . وكان ينتقد بحدة وشدة الطريقة الشائعة في تعليم الرسم تعليما ببغائياً هو نقل خطوط عن صورة توضع امام
الطلاب .
اول درجة في الفن وفي العلم ايضاً هي ارهاف الحواس وكشف الحواجز والستائر لاختبار الاشياء كما هي . فالعالم والفنان لا يرضيان بالتمويه والتشويه ، والصراحة وقبول الاشياء على حقيقتها هما من صفاتهما البارزة . وفي اغلب الاحيان تظل لهم الصراحة خارج اختصاصهم في العلم والفن واكثر الناس يعتبرون التستير والتمويه والمؤاربة من اللباقة وحسن السياسة ولولا ذلك لما شاع بينهم المثل القائل بان الحقيقة لا يقولها الا الاولاد والمجانين . وهم يصمون صراحة العالم والفنان ، زاعمين انها نقص في مرونتهم ولباقتهم وحسن سياستهم مع الناس . وفوق ذلك هم يتهمون الفنانين بتمثيل الاشياء على غير ما هي عليه . ويوجهون نفس التهمة الى الفلاسفة ايضاً زاعمين ان ما يقول به هؤلاء عن الحياة المثالية هو مخالف للواقع . وما ذلك الا لانهم ليسوا مرهفي الحواس ولا مفتحي الباصرة والبصيرة حتى يبصروا ما يبصره الفنان ويروا ما يراه الفيلسوف . وكثيراً ما ينتقدون صورة رائعة زاعمين ان الفنان لم يوفق في تمثيل هيئة الشخص كما هي . وما ذلك الا لانهم اعتادوا ان يروا الشخص في حالته النفسية الغالبة وفي وقفته الاعتيادية . اما الفنان فيرى احياناً في شخص ما لا يراه غيره وما لا تستظهره آلة التصوير الفوتوغرافي ، ويختار وقفة ونظرة تبرز معها المعاني التي يريد الفنان اثباتها ، فتأتي الصورة على غير الهيئة التي اعتاد ان يراه فيها اصدقاؤه ومعارفه ، فينتقدون الصورة زاعمين انها لا تشبه صاحبها . وكان يحدث مثل هذا الانتقاد على خليل الصليبي . وكان ردّ فعله عليه كيلاً ثقيلاً من الوصف الصريح لحديثي النعمة قليلي الفهم . وكان في علاقاته الشخصية مع الناس ينتظر منهم ان يقابلوه بمثل الصراحة التي يقابلهم هو بها . فاذا
ظهر له منهم مؤاربة او شطارة او تهرب من الحق كالَ لهم الانتقاد والتوبيخ بكلام حاد . وكان ذلك يسبب له العداوة مع كثيرين من الناس . ومع ان محبيه والمعجبين به كانوا يكرمونه ويعزونه ولكن النفور والعداوة اللذين تولدا بينه وكثيرين من الناس بسبب شدة لهجته في الانتقاد جعلاه يشعر اكثر فاكثر بالوحدة والوحشة بين الناس .
التشبث بالحق شيء، والتشبث بالحقوق الشخصية التي يقرها القانون شيء آخر . والناس لا يميزون بين الاثنين فيعتبرون الحقوق الشخصية حقاً . ويرسّخ هذا الوهم فيهم الاصطلاح على التعبير عن الاثنين بكلمة واحدة . ومعظم ابناء البشرية لم يصل الى درجة الاستعداد الكافي لفهم التعليم الاعلى القائل : « ... ومن اراد ان يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء ايضاً . ومن سخرك ميلا واحداً فاذهب معه اثنين ... »
وقد ادّى تشبث الفريقين — خليل الصليبي وابناء قريته — بالحقوق على نزيز ماء عين الجرن في بطلون الى مقتله هو وزوجته اولا ثم الى قتل القتلة من قبَل « الحق العام » . وليس المقام في هذه الكلمة مقام بحث قانوني لتبيين موضع الخطأ الذي ادى الى تلك النهاية المؤسفة . ولكن لتلك السلسلة من الحوادث معنى ومغزى لكل من اشترك بها او سمع عنها فمن فهم فقد ادرك الكفاية لكي يتنحى عن الطريق المؤدية الى سفك الدماء . واي ثمن يدفعه الانسان يكون اغلى من الدم . واذا كان ثمن تعلمنا قد دفعه غيرنا بدمه فأي شعور يليق بنا نحو المقتول والقاتل كليهما وان لم نفهم معنى ما حدث فستؤدي بنا خطانا الى الوقوع ثانية في مثل تلك السلسلة من الحوادث المؤلمة . وما الحروب العالمية التي تتمخض بها الانسانية سوى صورة عالمية مكبرة لما حدث بسبب التشبّث بالحقوق الشخصية على ماء عين الجرن .
