
يحل لك بها سفك دمي، والله لو كان سرّ ابنيك تحت قدمي ما رفعتها عنه ولو قطعتاً».
وابراهيم نديم الرشيد ايضاً. ويرافقه في سفرة من سفراته فيختفي بين سمع الارض وبصرها. فاذا ما عاد بعد ايام الى الرشيد سأله: واين كانت غيبتك؟ اجابه: حديثي عجيب يا امير المؤمنين، لقيني خمّار لطيف، حسن الوجه، طريف العشرة، فأقمت عنده. فلما اردت اللحاق بأمير المؤمنين اقسم عليّ واخرج لي من الشراب ما هو اطيب واجود ما رأيت، فأقمت ثلاثاً ووهبت له دنانير كانت معي وكسوة وقلت فيه:
سقياً لمنزل خمّار قصفت به وسط الرصافة يوماً بعد يومين ما زلت أرهن أثوابي واشربها صفراء قد عتقت في الدنّ حولين حتى اذا نفدت مني بأجمعها عاودته بالربا دناً بدينِ
وليست هي المرة الاولى التي يخلف فيها ابراهيم وعداً مع امير المؤمنين، بل كثيراً ما كان يحدث له مثل ذلك وأهم من ذلك.
كان مجازفاً، مغامراً في عصر عرف اروع المجازفات والمغامرات الحية. واي مغامرة اعظم من ان يمر صاحبنا، وكان ذاهباً الى قصر الخلافة بدعوة من الرشيد، بزنبيل مدلى من قصر شاهق من قصور بغداد المعروفة، وفي النافذة جارية تنتظر الحبيب الموعود ووراءها جوار متحرقات متشوقات!!.. ويتساءل ابراهيم: لِمَ لا يكون هو هذا الحبيب السعيد؟ فيجلس في الزنبيل ويصعد الى «الجنة». اما الرشيد فسيعرف كيف يعتذر اليه عن هذا التقصير. وما كادت الظباء ترى الوجه الغريب عن بعد حتى نفرت منه وقالت: ما ادخلك علينا يا عدو الله؟ ومن الذي اردتن ادخاله يا عدوات الله؟ ولِمَ صار اولى بهدامني؟؟
وكان ابراهيم مليح النكتة، ظريف الكلام يقدر الكأس والوجه الحسن فاذا به معهن على الشراب، والجواري يفلتن اصواتهن في تسابيح ربانية وفي غناءات لاعاظم المغنين كالغريض ومعبد والموصلي ولم يطل بهن الوقت حتى عرفه وعلمن بدعوة الرشيد له.
فقلن له:
«والله لن تخرج من هنا قبل اسبوع لقد طال حبسك علينا». ولكن القتل ينتظرني!. الى لعنة الله... اجابت احداهن. ويستطيع اخيراً الافلات والدخول على الرشيد، بعد ان كان قد اذاع النداء في انحاء المملكة لاحضار الموصلي والاقتصاص منه. ولم يكد يسمع الخليفة قصته العجيبة حتى تمنى الذهاب برفقته الى هذا العش الدافئ، الهنيء.
وهناك يفتضح امرهما. فاذا بابراهيم وقد اخذته هزة الخمرة، ينادي الرشيد المتنكر: يا امير المؤمنين!.. فتتوائب الجواري الجميلات نافرات من وراء الستارة واذا هن من جواري الخليفة، وكان قد غضب عليهن فحبسهن في ذلك القصر.
كان ابراهيم نديم الملوك والخلفاء وصلة الوصل بين القلوب الهاجرة والعيون الدامعة، والنفوس المتحسرة. فاذا ما اختلف الرشيد وجاريته الحسناء ماردة، وكثيراً ما تيم حب الجواري قلوب اسيادهن ومواليهن، اهتزت اركان المملكة فقام البرمكي الوزير يصدر الاوامر الى العباس بن الاحنف الشاعر ليتدبر الامر بحكمته، فاذا به يعصر دماغه ليقول:
راجع احبتك الذين هجرتهم ان المتيم قلما يتجنّبُ ان التجنب ان تطاول منكما دبّ السلوّ له فعزّ المطلبُ
وتحمل الابيات الى ابراهيم ليجري
عليها من انفاسه الحياة فيغنيها امام الرشيد فيرق قلبه وتلين عاطفته ويذهب لماردة يترضاها فتعود المياه الى مجاريها ويعود الوزير الى عمله مطمئناً وتجري امور الدولة بانتظام بعد ان تأمر ماردة بالآلاف من الدراهم مكافأة للعباس ولابراهيم.
وابراهيم زهرة المجالس اليانعة وريحانها الزكي، لا يخلو منه مجلس ولا يعقد بدونه مجمع أنس او طرب. غضب الرشيد عليه يوماً فقيده وحبسه بالرقة ثم جلس للشرب يوماً في مجلس قد زينه وحسنه. فقال لعيسى بن جعفر: هل لمجلسنا عيب؟ قال: نعم، غيبة ابراهيم الموصلي عنه.
فأمر بإحضاره واستمع لغنائه وكافأه مئتي الف درهم بعد ان قال له: «هنأتني يومي وسأهنئك بالصلة، وقد وهبت لك المني والمريء» وكان اذا حبس حبس معه اللهو والسرور على حد قول ابي العتاهية:
حُبس اللهو والسرور فما في الارض شيء يلهى به او يُسر
كان للغناء تأثير كبير في نفوس ولاة الشأن في ذلك الحين، فاذا اردنا ان نصدق كل ما جاء في كتب الادب من الحكايات التي تروى لهالنا ما كانت ينفقه الخلفاء والامراء والاعيان في سبيل قصيدة يفضلونها او قطعة غناء يستحسنونها. والموسيقى كانت منذ اقدم العصور ولا تزال الى الوقت الحاضر، المحرك الاكبر للعواطف الباردة والمثيرة للهمم الخامدة. ومن اجمل ما جاء في هذا المعنى قول ابن عبد ربه في عقده:
يا من يضنّ بصوت الطائر الغرد ما كنت احسب هذا البخل في احد لو ان أسماع اهل الارض قاطبةً اصغت الى الصوت لم ينقص ولم يزد فلا تضنّ على سمعي تقلده صوتاً يجول مجال الروح في الجسد
وقوله ايضاً في مكان آخر: