طلب إلي مرة أن أنتقي صورة فنية رائعة «على ذوقي» تكون مما يليق بأن يحتل مكاناً مرموقاً في صالون غني بالرياش. وكان الطالب صديقاً تاجراً ربح في الحرب الأخيرة أموالاً وفيرة. فلما آن له أن ينفض عن نفسه غبار الذهب ويغسل يديه من أقذار «البنكنوت» رأى من المناسب أن يسبغ على نفسه وآله وبيته مظهراً يليق بالطبقة التي ارتفع إليها فجأة. أهملت الطلب بادىء الأمر على عادتي في أكثر الأحيان. فعاد الصديق يكرر الطلب ثم يلح في ذلك إلحاحاً شديداً. فسأخت له من أحد كتب الفن، صورة عن تمثال «الرجل المفكر» لأوغست رودان وجعلت حولها إطاراً لائقاً ومضيت بها إليه في زيارة ليلية. استقبلني في حفاوة بالغة سيما وقد لمح تحت إبطي شيئاً مغلقاً لم يشك في أنه الصورة المطلوبة. فلما دفعت به إليه ازداد حماسة وجعل يفض غلاف الورق في غبطة ظاهرة وهو يقول:
- أخيراً... والله لو أنك كنت تأتيني بها من «اللوفر» لما تأخرت علي طول هذه المدة.
على أن حماسه ما لبث أن أخذ يركد شيئاً فشيئاً وقد اختفت الغبطة من وجهه وحل مكانها ابتسامة ضعيفة متكلفة. ذلك حين تم فض الغلاف وبرزت الصورة لعينيه: رجل عار ويا له من رجل! لكأنه الوحش...!
أخذ صاحبنا يمد بالصورة باعه ثم يطويه وهو بين ذلك يلقي فيها نظرة ويلقي في وجهي نظرة أخرى، أأكون هازئاً به؟ فلما تأكد من سلامة طويتي وضع الصورة على المنضدة وقبع هو في المقعد المقابل يتأملها عن بعد:
- على كل حال، لا بأس بها، لا بأس، صورة جميلة. لا شك أن صانعها ماهر ولكن... على كل حال لا بأس بها، شكراً شكراً على كل حال!
فحمدت له في سري وبالنيابة عن أوغست رودان، هذا الثناء والتقدير! أليست هذه الشهادة جديرة بأن تختلج لها فرحاً رفات العبقري العظيم في قبره!!..
وحانت لي زيارة أخرى لصاحبنا التاجر بعد شهور. فلم أجد «للرجل المفكر» أثراً في صالونه. بل وجدت مكانه عدداً من اللوحات الزيتية الصغيرة الحجم التي تباع بالجملة وبأثمان لا تبيض وجه الفن وتكون عادة بلا توقيع كأنما يخجل صانعها من نسبتها إليهم:
مناظر غروب، وبخار وزوارق وغدران وأشجار بألوان فاقعة غريبة. ثم صورة لامرأة ضاحكة لم أشك في أنها متزعمة من إحدى الرزنامات الأميركية التي توزع مجاناً للإعلان عن كريم «بندس» أو معجون أسنان «كولينوس» أو حمرة شفاه «تانجي» فابتسمت. وكأن صاحبنا أحس بما يجول في خاطري فمضى يقول معتذراً:
- لقد حاولت كثيراً أن أقنع زوجتي بتعليق صورة الرجل التي أتيتني بها، إكراماً لخاطرك، ولكني لم أفلح لأن زوجتي عنيدة جداً. زعمت أن صورة الرجل بشعة جداً تشوه هيئة الصالون فضلاً عن الاشمئزاز الذي توجبه للزائرات والزائرين وما يترتب على وضعها هنا من طعن شنيع في ذوقها الرفيع الذي لم يمسه قط لسان. عذرت صاحبي وعذرت زوجته وعذرت الزائرات والزائرين دون لوم ولا عتب، ولمت نفسي. كان الأجدر أن أنتقي لزوجة صديقي التاجر صورة عن «أبولون» مثلاً، ولكني من جهة ثانية غير ملوم ألم يطلب إلي أن تكون الصورة «على ذوقي»؟
العذر هنا واضح. تصور أن نسمة من الحياة نفخت في هيكل هذا الرجل الرخامي فاحتاج بما يشبه المعجزة واستفاق من تفكيره الأبدي البارد ثم تمطى وتثاءب، واندس من صخرته ونهض يتمشى بين الناس في الشوارع والشواطئ والمتنزهات وكل مكان! إن هذا خليق بأن يثير في المدينة موجة طاغية من النفور والاشمئزاز، بل الرعب والهلع. خاطر غريب مستحيل الوقوع ولا ريب، ولكن بينه وبين مفهوم الناس للفن شبهاً قوي الصلة. ذلك أن معظم الناس حين يجدون أنفسهم أمام أثر فني ما يحاولون أن يعالجوه ويصدروا أحكامهم عليه بنفس العقلية التي ألفوا أن يعالجوا بها حياتهم اليومية ويصدروا أحكامهم على ما يعترضهم فيها. فصاحبي التاجر وزوجته، حين خامرهم الاشمئزاز من تمثال الرجل المفكر، كانا
يقيسان هذا الأثر الفني الرائع بالمقاييس العادية البسيطة التي وضعتها الحياة اليومية ثم تواضع عليها الناس. فما من شك بأن أيقونة عادية ترفض زوجاً لها رجلاً تكون له هذه السحنة وهذا الشكل الغليظ اللذان جعلها رودان على مثاله فلو أني استبدلت هذا التمثال بتمثال أبولون مثلاً، لكان الأمر مع زوجة صديقي أمراً آخر. وعندئذ كان يمكن لأبولون أن يتصدر الصالون ويفوز بإعجاب الزائرات والزائرين ويستأثر النساء على ذوق ربة الدار وزوجها، على أن هذا الإعجاب وهذا الثناء يظلان غريبين عن الفن، لأن مصدرهما شعور جنسي بحت ليس للفن به علاقة. لست أحب أن يفهم من هذا أن الشعور الجنسي غريب عن الفن. إن الصلة بينهما عريضة أصيلة في الحقيقة. لكني أحب أن أقول إن كل شيء في الطبيعة له، عدا وجوهه الأخرى، وجه فني خاص لا يستطيع أن يدركه إلا الذين يمارسون حياة فكرية رفيعة.
أما بعد، بعد هذه المقدمة الطويلة، فأراني لم أقل بعد شيئاً عن رائعة «أوغست رودان»! سامح الله صاحبي التاجر وزوجته. فلقد أضاع الحديث عنها وقتنا سدى. على أني، في الحقيقة، لست ممن يحبون الشروح والدراسات تحاك حول الروائع الفنية فهي تحجب في معظم الأحيان الوحدة الجمالية من الأثر الفني. إذن فليكن حسبنا الآن أمام رائعة أوغست رودان أن نتأملها ونتأملها بصمت، بأعمق ما يكون من الصمت، ولنستسلم إلى الخواطر تنقلنا فيها بشبه السحر والأساطير وراء الأجيال والأزمنة، وإذا نحن أمام مخلوق غريب عجيب من المخلوقات اسمه الإنسان وإذا هو قد انفرد على صخرة، فوقه تشاهق السماء ذات البروج، ومن حوله تعصف الرياح، ويموج اليم وتتفجر البراكين، وتصطرع الضواري، ويزحم النهار الليل، ويزحم الليل النهار، ويتهامس الكون بالأسرار كل شيء من حوله أسرار. هو نفسه سر: من أين جاء؟ وإلى أين يمضي؟ من ذا الذي صنعه؟ ولماذا؟ وكيف؟ وما هذا الذي من حوله؟ أسرار! لكنه لا يقنط، كأنه يعلم أن ليس في الطبيعة ما يستحيل معرفته. فهو يفكر ويمعن في التفكير وسيظل مفكراً إلى الأبد، يستبيح الكون سراً بعد سر حتى يسبي بهذه الطبيعة.