ان غايتي من هذه الرسالة هي ان يدرك الرجل والمرأة وجوه الاختلاف بينهما لكي يُعد كل منهما نفسه للوظائف الطبيعية الخاصة ولينموا التفاهم بينهما على اسس المعرفة. وحبّ المعرفة حباً بالمعرفة نادر في الرجال ندورته في النساء.
لقد زين الشيطان لاعداء المرأة - ما عدا الامهات - انها بؤرة شر وفساد. وامتد تقدم الى قدس اقداس الامومة فنسبوا زوراً وبهتاناً اليها ما زعموا انه حقيقة فادعوا باطلاً ان المرأة على العموم لا ترغب في ان تلد الا اذا احبت زوجها حباً شديداً يدفعها الى تزيين البيت باولاد ينتقل اليهم حبها زوجاً ينعم باحترامها وثقتها : ولعمر الحق ان انشودة الامومة على فم المرأة ترتفع من قلبها قوية صاخبة بناءة اجتماعية رائعة. فالامومة تدفع المرأة الى العطف السامي على فلذات كبدها ومحط احلامها وآمالها.
في كل امرأة عاطفتان : عاطفة الامومة وعاطفة اغراء الرجل. وهاتان العاطفتان تتنازعان السيادة على بقية العواطف وعلى مسلك المرأة الخاص بها. وقد تلتقيان في آن واحد في المرأة الواحدة. فالتي سلبها القدر الجائر عاطفة الامومة تذكي عاطفة الاغراء. فالمرأة هي من هي حسب انكماش احدى هاتين العاطفتين او انفلاتها. ويخطئ من يلوم اية امرأة على وجود هاتين العاطفتين في صدرها لانها من هبات الطبيعة.
ان اعظم وظيفة وهبتها امنا الطبيعة للمرأة هي الامومة التي تؤهل المرأة لان تحتل مقاماً في الدولة رفيعاً.
ولقد وزعت الطبيعة الوظائف على النساء والرجال ولا يقدر بشر ان ينقض حكم الطبيعة المبرم. للرجل ان يسيطر على الطبيعة فيؤمن الغذاء والكساء والمسكن، وان يجارب دفاعاً عن سلامتها الفردية والاجتماعية وان يطارد فتاة تجذبه بلا قصد بشتى الطرائق امثال الخجل والحياء وادعاء الكراهية له والتنديد بثقل دمه ووقاحته.
وقد تنتهي المطاردة باصطياده الفتاة زوجة تقبع في البيت تهيء الطعام وتخيط الكساء وتلد وتربي. وهكذا نشأت منذ نصف مليون سنة الاختلافات الرئيسية الهامة بين المرأة والرجل ولا نستطيع الى استبدالها سبيلاً.
فالمرأة تختلف عن الرجل في كل خليّة في جسدها، في ما تهدمه حياتها وتبنيه، في تركيبها الحيوي، في غددها الصماء، في جهازها العاطفي، في ولعها بالفنون الجميلة من تصوير وموسيقى، في اهتمامها بامور المنزل، في احترافها المهن التي لا تحتاج الى جهود وحركة، في عطفها على البؤساء، في نزعاتها الادبية الخلقية، في حبها للرحمة، في جبانتها، في لطفها ودماثة اخلاقها، في رقتها واناقتها، في شعورها العاطفي الرقيق.
اما الرجل فهو مغامر، يحترف المهن والاعمال الصعبة،
ويستخدم الآلات والادوات، وينزع الى العلوم والاكتشافات والاختراعات، ويحب الاعمال التجارية وهو محب لذاته، معتد، غير هيّاب، قويّ، خشن، فظّ السلوك، غليظ الكلام.
من هذه المقاييس يظهر ان بين الرجال من يشاطرون المرأة بعض صفاتها كما بين النساء اخوات لنا مسترجلات ولكن الاغلبية الساحقة من الجنسين لبثت بين بين.
ان الرجل يحب في المرأة انوثتها التي هي جسر الامومة. فعلى كل نابهة مفكرة، ان استطاعت، ان تهدي الامة اولاداً يخلدون مواهبها والا دامت الخسارة اجيالا. فما اصابت السيدة Charlotte Perkins Gilman يوم اشارت الى ان يقص الفتيات شعرهن كالفتيان وبأن لا يلعبن بلعب تهيّئهن للامومة لكي يتساوين والذكور. فالمساواة الحيوية ضرب من المحال.
اما المساواة السياسية فعلى المرأة الناهضة ان تنشدها فمن حقها ان تزيل القيود التشريعية على حريتها السياسية وعلى حقها في التصويت، فهي لا تملك حق التصرّف بما تملك دون استئذان زوجها وما يبرح الرجل يعلن الانتداب على المرأة كأنها ليست من افراد الامة. ولو وجدت الشجاعة الى قلب المرأة سبيلاً لاستطاعت ان تنقي السياسة وتسن الشرائع العادلة وتدخل فيها الرأفة الانسانية. ولقد قال Quinet : « يسن الرجال القوانين والنساء وحدهن يطبعن العادات » فكيف لو فعلن الاثنين معاً ؟
ان اخراج المرأة من وظيفتها عند الزواج او الوضع هو اجحاف بحقوق المرأة السياسية والاجتماعية فليعدل المنصفون.
اما المساواة الاقتصادية فهي تهدف لمساواة الرجل والمرأة في أجرهما في اي عمل، والى اعتبار الحمل والوضع وظيفة حكومية تدفع عليها الدولة جُعلاً كما للرجل.
ان اجرة المرأة في الاعمال التجارية والصناعية هي ادنى من اجرة الرجل، ذلك لان المرأة يعوزها الاختصاص والخبرة. وخوفاً من ترك الفتاة عملها اجابة لنداء الزواج يحذر اصحاب العمل من استخدام الفتيات، ولا ننسى ان العاملة تعيل نفسها اما الرجل فمرغم على اعالة نفسه وعائلته.
لقد اثبت الاحصاء الواقعي ضعف الاعتقاد بالمساواة الجنسية بين المرأة والرجل فليس بوسع المرأة ولو نابهة ان تحترف مهنة ما وان تُنشئ عائلة في آن واحد. يجب مساواة المرأة والرجل في تهذيبها تهذيباً حراً واعتبارها اخت الرجل مقاماً وفتح ابواب الفرص امامها لتفيض مواهبها غزيرة طليقة وتجرف اطلال الماضي الدائرة وتُنعش حقول الحاضر الزاهرة حفظاً لمصلحة الشعب العامة.
فلتجعل المرأة البيت فردوساً مصغراً اعمق عاطفة واغنى هبة واغزر حباً وامتن رابطة واطيب متعة مما مضى.

