زار الروضة صباح أحد الأيام سيدة أجنبية يرافقها طفلها . وطلبت الاطلاع على بعض المعلومات عن المدرسة . وبعد أن طافت جميع أنحائها وعلمت كل ما أرادت علمه ، طلبت - بدون تردد - تسجيل طفلها . فقلت لها : « ولكن لا يخفك يا سيدتي أننا لا ندرّس اللغات الأجنبية رسمياً في هذه الروضة . فأجابت : « وهل خطر لي ببال أن أشغل طفلي بتعلم اللغات وعمره ست سنوات لا غير ؟ كل ما أرجوه له يا سيدتي هو أن يعيش في وسط صالح ، يرتع بين هذه المجموعة من الألعاب التربوية المختارة التي توجهه توجيهاً علمياً صحيحاً ، ويختلط بأطفال يقاربونه سناً ، ويكون دائماً تحت رقابة صحية ونفسية ... إنني عندما أضع طفلي بين أيدي أخصائيين للأطفال ، أكون واثقة بأنهم سيعطونه ما هو بحاجة إليه وما هو مستعد لأن يأخذه من العلم ، وهم أحكم من أن يفرضوا عليه العلم قبل أن يكون دماغه مستعداً لتقبله ... »
فصافحت هذه السيدة وشكرتها على ثقتها وساءلت نفسي ، وأنا أرقب خطاها وهي تتباعد عني : « متى يا ترى يستوعب أبناء بلادنا فكرة الروضة بالبساطة التي أوضحتها هذه السيدة ؟ متى يضع الآباء ثقتهم بالمربية المختصة ويستشيرونها في حل مشاكل أطفالهم ويبحثون معها الإمكانيات التي تهذب طباعهم وعاداتهم ، وتشجع مواهبهم وميولهم وتجعل منهم نموذجاً أعلى للطفل كما يجب أن يكون ، لا كما يريدونه هم ؟ .
بعد أيام من هذه الحادثة ، اتصلت بأحد الصحفيين المعروفين في هذا البلد ، مستفسرة عن سبب تغيب ابنته عن الروضة أربعة أيام متتالية . فحضر هو بنفسه ، وأفهمني بلطف أن طفلته ستترك الروضة لأنها مضطرة للتغيب عن العاصمة صحبة والدتها . ولكن حجته هذه لم تقنعني ، أم لأني قرأت في عينيه حديثاً آخر . وتماديت معه في البحث ولم يلبث أن نطق بما أردت معرفته فقال : « أنا سيدتي أريد ابنتي أن تتعلم فهي هنا منذ ثلاثة أشهر ولم تمسك كتاباً حتى ولا دفتراً وقلماً ! فإذا تعلموا ماذا إذن : اللعب ؟ إنها تلعب جيداً في البيت ... وهناك لا تكلفني شيئاً ! فسألته : وكم عمر ابنتك ؟ فأجاب : « ثلاث سنوات ونصف » . فقلت : « وهل ترجو أن تعلمها اللغة وهي في هذه السن المبكرة ؟ » وحاولت جهدي إيضاح فكرة الروضة له ، وإظهار التحسينات العامة في حالة طفلته . فوافق على جميع نقاطي وشكرني مبتسماً وانصرف واعداً بإرجاع نجلاه في اليوم الثاني ، ولكنه لم يعد نجلاه ! لأن عقليته المتحجرة أبت عليه الاعتراف بالحقيقة ... وتكررت حوادث الانسحاب لهذا السبب مراراً عدة بعد الفصل الأول من السنة الدراسية ، وكان دفاعنا عن هذا الموضوع كمن يصرخ في وادٍ ...
إن الرأي العام في بلادنا أيها السادة ، لم يتذوق بعد المعنى الصحيح لروضة الأطفال ، فترى معظم الوالدين يدخلون أطفالهم للروضة - وهم دون الخامسة - ويتظرون منا أن نعلمهم القراءة والكتابة والحساب ، وإلا فنحن بنظرهم مقصرون . وفاتهم أن طفلهم ، بفضل التوجيه النفسي الذي يلاقيه من معلميه وبفضل الألعاب التربوية التي توضع بين يديه ، قد اكتسب واستفاد وهو لا يدري . فقد أصبح أدق وأسرع ملاحظة وأقوى تعبيراً وأوضح نطقاً وأكثر اعتماداً على نفسه . وفاتهم أيضاً كم يتهذب الطفل
ويكتسب وهو يختلط مع زملائه ورفاقه ، في الصف والحديقة . وكم يستفيد من الناحية الاجتماعية ، إذ يعتاد نكران الذات ، والتعاون على العمل وتحمل المسؤوليات ونصرة الحق ، والصدق قبل كل شيء . فيرى بالتدريب والاختبار أن الكاذب ممقوت ، والمحب لذاته خاسر . فينقاد إلى التخلص من هذه المساوىء التي تعكر صفو الحياة .
سادتي وسيداتي : عندما تم تأسيس روضة الأطفال لجامعة نساء لبنان في تشرين الماضي ، بذلت جهود جبارة لجعلها نموذجية تماشي أحدث الرياض ، ولقد استقينا موادنا من بحوث ودراسات عن رياض الأطفال في أميركا وأوروبا وحرصنا على أن نصبغها بلونين زاهيين : أولاً باللون العربي اللبناني وثانياً باللون اللاطائفي ، لأننا شعرنا بأن علة بلادنا مسببة عن ضعف هذين العنصرين ، خاصة في سن الطفولة ، عندما تكون عقلية الطفل كالعجينة تأخذ الشكل الذي يريده لها المربي .
فطفلنا يستمد دينه من الصدق والعدل والمحبة والإيمان - هذه الصفات العلوية التي تنبثق من الله عز وجل ... وطفلنا محب لبلاده ، متغنٍ بها ، شغوف بلغتها ، لأنه يعيش في جو يعززها ويحترمها .
وشخصية الطفل هي المحور الذي تتجه نحوه أنظارنا فوجب والحالة هذه ، تشجيع كل ما شأنه أن ينمي ويبرز القوى الكامنة في الطفل وتحاشي كل ضغط أو فرض أوامر ليتمكن طفلنا من أن يعيش في جو حر طبيعي فيندمج في محيطه ويرى بنفسه نتائج أعماله . ونناقشه البحث عن ذنب ارتكبه ، أو خطأ وقع فيه . وإذا وجب القصاص ، فإن الطفل المذنب هو الذي يحكم فيه ويقبله بصمت وهو مقتنع به ، فاهم وجهة نظره . وقلما يتكرر ذنب يعالج بهذا التحليل النفسي . فطفلنا رجل صغير ، له رأيه الذي يجب أن يعتبر . وشخصيته التي يجب أن تحترم . وماذا ينفع لو اتقن أبناؤنا عدة لغات وضاعت شخصيتهم : ذلك السلاح الذي يتحلى به الصارخ في وجه الظلم ، ذلك السلاح الذي يجعل من الرجل العادي ناقداً وزعيماً ، ذلك السلاح الذي جردتنا منه بعض المدارس غير الوطنية ... أو كادت ...
وإنه لمما يؤسف حقاً أن نرى القسم الأكبر من مدارسنا ما زالت متمسكة بالطرق القديمة لتربية الأطفال . ففيها الكثير من النظم والطرق القاسية التي تتنافى وأساليب التربية الحديثة وتبعد الفكرة الصحيحة للروضة عن عقلية الطفل . وتجعل منها سجناً ضيقاً لجسمه الصغير فيكره المدرسة منذ نعومة أظافره . ويتفنن في الاحتيال للتغيب عنها ، وتبقى هذه الصورة الرهيبة مستولية على عقله ، حتى بعد أن يكبر وينتهي من الدراسة . ولقد أثبت علماء النفس ، أن الصور التي تنطبع في مخيلة الطفل في سنيه الأولى ، يكون لها أخطر الأثر ، ليس في المرحلة الأولى من حياته فحسب ، بل في جميع مراحلها .
فعلى ضوء هذه الحقيقة تتجلى لنا عظم المسؤولية الملقاة على كواهلنا - نحن المسؤولين عن رياض الأطفال - فيجب أن نجعل منها فردوساً ممتعاً ، يتفق وطبيعة الطفولة المرحة البريئة ، التواقة للمخاطرة والحرية . وتجهز الروضة وحديقتها بمختلف الألعاب التربوية التي تشبع غريزة حب الاستطلاع في الأطفال وتحبب المدرسة إليهم فيمرحون بها طول يومهم ، ويحلمون بها بعض أيامهم ، ويسرعون إليها صباحاً بوجوه مشرقة وعيون براقة وهم مستعدون لإرضاء معلميهم وإنجاز واجباتهم بلذة ونشاط . ومتى أقضوا مدتهم فيها وتأهبوا لدخول المدرسة الابتدائية ، يدخلونها مسلحين ، واثقين من أنفسهم ، وفي عقلهم صورة جميلة للمدرسة كما نرغب أن نجعلها ، وفي مخيلتهم صورة صافية لأيام الطفولة ، كما نحب أن نذكرها .
« ألقيت هذه المحاضرة من محطة الإذاعة اللبنانية »
