حدّث خرافةُ يوماً قال:
«كنت ذا نعمة، فزالت وركبني دين، فخرجت هارباً، فأصابني عطش شديد، فسرت الى بئر، فنزلت لأشرب فصاح بي صائح من البئر، فخرجت منها ولم اشرب.
فغلبني العطش فعدت الى البئر فصاح بي، ثم عدت ثالثة فشربت ولم ألتفت اليه فقال: «اللهم ان كان رجلاً فحوّله امرأة، وان كانت امرأة فحوّلها رجلاً».
فاذا انا امرأة.
فأتيت مدينة فتزوجني رجل، فولدت منه ولدين، ثم عدت الى بلدي فمررت بالبئر التي شربت منها، فصاح بي ــ كما صاح المرة الماضية ــ فشربت ولم ألتفت اليه، فدعا ــ كدعائه الاول ــ فعدت رجلاً كما كنت.
ثم عدت الى بلدي فتزوجت امرأة فولدت منها ولدين.
فانا اليوم والد لطفلين وام لولدين.»
فقالوا له: «ان هذا لعجيب!».
ويورد الغربيون في قصصهم امراً لا يقل عن ذاك غرابة وعجباً. فمنهم من يقولون ان المار تحت قوس قزح يتحول من جنس الى جنس، فان كان رجلاً صار امرأة وان كانت امرأة تبدلت رجلاً.
فرأيت في هذا حافزاً يدفعني لان اضيف حديثاً آخر، ليس من صنع خرافة، او الخيال، بل حديث ينضح به العلم وتجاربه.
نلحظ مما مرّ ان الانسان منذ بداءته وقف مدهوشاً امام الفوارق التي اوجدتها الطبيعة في عالمه، ولذلك يحاول كشف النقاب عن العملية الخفية التي تسيطر على صفته الجنسية وان يسلب الطبيعة قدرتها على التحكم فيها، فيتسنى له، كما يعتقد، ان يشرف على احد مرافق سعادته ورفاهيته.
وحاول الانسان ان يجد وسيلة تمكنه من التحكم في هذه الناحية من حياته مدفوعاً بحبه لمعرفة المجهول والخفي من اموره. فالرجل يرغب في ان يتحول امرأة كي يحس احساسها ويشعر شعورها، والمرأة تود ان تنقلب رجلاً لتحس احساسه وتشعر شعوره. وبهذا يفهم الانسان الطبيعة على وجهها، ولاجل هذا استعمل خرافات عدة، وتعاويذ ورقى لا تثمر ولا تفيد، وزار القديسين والاولياء زيارات متتالية فلا هو ولا اولئك استطاعوا ان ينيروا امامه الطريق. وغاب عن بصيرته ان المسلك الوحيد لتحقيق امله هو العلم بنظرياته وتجاربه، ولعله واجد فيه ما يطفئ ظمأه. فهل يفسح العلم امامه سبيل التحكم في صفته الجنسية ياترى؟
ان تبديل صفة الانسان الجنسية بعد ولادته امر يجب ان نطويه الى الابد. ولكن التحكم في صفته هذه قبل تكوينه، فمسألة محتملة التحقيق، اذ يتراءى للعلماء ان فجراً منيراً يصلح
لان يقذف فيه الانسان بنفسه بعيداً عن سيطرة الطبيعة وصولتها سوف ينفلق ذات صباح، فيتحرر الانسان من القيود التي تثقله وتعيقه ويقبض على زمام صفته الاولى بكلتا يديه، وسوف يحدث هذا كما يتكهن البعض، في غضون خمسين عاماً.
اما الوسيلة لذلك فمعقدة شرع الانسان يحل عقدها واحدة فواحدة، وقد تنبسط جميعها بين يدي العلم والتجارب بالمثابرة والاجتهاد. لقد استطاع بعض العلماء ان يدل على تباين بين الخلايا الذكرية السينية والخلايا الذكرية الناقصة بان قاموا بتجارب كثيرة قاسوا فيها طول جسم الخلية وحجمها، فاستنتجوا منها ان الخلايا الذكرية فئتان، فئة اضخم حجماً من فئة، أي ان احد النوعين من خلايا الرجل التناسلية اكبر حجماً من النوع الثاني.
فان صح هذا ونحن فيما نعلم صحيح، استطاع العلماء استحداث وسيلة ــ كالتركيب، او الترويق او التصفية ــ تؤدي الى فصل احد النوعين عن الثاني.
وهذه العملية هي اعوص عقبة تعترض سبيل العلماء في تحقيق ما يرومون. فان استطاعوا تذليلها بلغوا هدفهم مباشرة، واصبح بامكانهم ان ينتجوا الاطفال على ما يشاؤون، اناثاً وذكوراً، وذلك باستعمالهم عملية ثانية متممة للمرحلة الاولى، وهي التلقيح الاصطناعي.
والتلقيح الاصطناعي هذا عملية استخدمت في عالم الحيوان وفي عالم الانسان على السواء، وقد قام حولها لغط كثير فتحدث الناس عن مشروعيتها وفوائدها وعواقبها، وسوف لا اتكلم عن هذا، ولكنني اريد قولاً احيط به القارئ علماً بناحية اساسية من التحكم في الصفة الجنسية، وهي ان على الذين يرغبون في التحكم في صفة نسلهم الجنسية، وفقاً للوسيلة التي اوردنا، ان يقبلوا بعمليات التلقيح هذه، فاذا رضينا عنها وهي ليست في هذا المقام غير شرعية، تمت لنا الوسيلة التي بدأنا عرضها، ووضحت لنا كيفية استخدامها في انتاج المواليد على مانوسمه.
نرى مما مر بنا ان التحكم في هذه الصفة يكون قبل نشأة الجنين. ففي الوقت الذي يتكون فيه الجنين، بانصهار خلية ذكرية بالخلية الانثى، يتعدى المخلوق الجديد منطقة نفوذ هذه. وليس من المعقول كما نعلم، ان يتهيأ للانسان اكتشاف وسيلة واحدة تمكنه من السيطرة على تلك الصفة بعد تكوينها. ولكنه دون شك يستطيع، بفضل الهرمونات ــ وهي مواد كيماوية تسري في الدم ــ أن يُلطف من غلواء الظواهر الجنسية الثانوية وحدة غرائزها.
فالى ان يتحقق حديث خرافة او امر الغربيين، سنبقى كما نحن: الرجل رجلاً، والمرأة امرأة.

