في مكتبتي، هذه المرة، قصة للدكتور عبد الرحمن بدوي. عنوانها هموم الشباب. الناشر مكتبة النهضة المصرية. عدد الصفحات ١٥٨. الثمن ٣٠ قرشاً مصرياً.
يقف الدكتور عبدالرحمن بدوي، على قرب عهده بالحياة، في الصف الاول بين كتاب مصر : فاعجب لعقل فتىً ينفتح على الحضارة فيغرف من تراثها الاصيل، دون ان يعوزه كد او يفتقر الى ثبات، فاذا بافلاطون وارسطو ونيتشه وشبنهور واشبنجلر واضرابهم من المعلمين، يستكتبونه افكارهم بحرف عربي.
بيد ان هذا الحرف العربي الذي نقل « خلاصة الفكر الاوروبي » لم يكن مطمئناً، واجداً نفسه، ومنسجماً مع ذاته في قليل او كثير : لقد كان اقتباساً بدائياً يغلب عليه الحماسة والاندفاع. وكأني بعبد الرحمن بدوي، وهو المخلص للفكر اخلاصه لنفسه، لم يشأ ان يستأثر بهذا الكنز الثمين الذي وقع عليه، فعكف على تلخيصه متحدياً الزمان والمكان. ها هو يضع منهاجاً ابجدياً في ألفه « ينابيع الفكر الاوروبي »، وفي بائه « فلاسفته »، وفي جيمه « مفكروه » وفي داله « شعراؤه الفلاسفة » وفي هائه ما يسميه « روح الحضارة » الذي بناه هذا الفكر. ولقد تيسر له الى الآن، اصدار « نيتشه » و « اشبنجلر » و « شبنهور » و « افلاطون » و « ارسطو » و « ربيع الفكر اليوناني » و « خريف الفكر اليوناني ». ولا شك في انه يتوقع اصدار ما تبقى له من المنهاج وهو كثير تنوء تحت اعباء تنفيذه مؤسسة كبرى. واذا كان عبد الرحمن بدوي يمدح لهمته وخصبه، ويحمد لغيرته واخلاصه، ويشجع لقيمة الرسالة التي عهد الى نفسه يحمل لواءها - فهو، ولا ريب، يؤاخذ على طريقته في عرض هذه « الخلاصة » سواء كان في اسلوبها ام في توجيهها : فقد كان اجدر

مكتبة « صوت المرأة » من المؤلفات

به ان يبدأ العرض بالتسلسل التاريخي، ذلك لان من يطمح الى فهم « نيتشه » مثلاً وجب عليه قبل ذلك ان يفهم الاغارقة والمسيحية والمثالية الالمانية كما تجلت على الاخص في بطليها « كنت » و « هيكل ».
اما عن التوجيه، فقد كان الاحرى بعبد الرحمن بدوي ان يلزم « الموضوعية » ذلك لانه « يعرض » وليس « يؤلف »، ولانه بالتالي، لم يكن بعد قد تمركز فكرياً واستقر. فكان من بعض نتائج هذا العرض « خلاصة الفكر الاوروبي » ان دبت الفوضى في اذهان القارئ دبيباً اساء اليه اكثر مما احسن، وانتشر الاضطراب في آراء الكتاب انتشاراً انقص من الثقة به اكثر مما زاد : فهو مثالي تارة، وشكوكي تارة اخرى وهو « مستغرق » في حين، و « مشبنجلر » في حين آخر. وها هو اليوم، في نظرته للتاريخ وفي « مبتكراته » يجنح جنوحاً اكيداً نحو الكيانية.
ثم ان الدكتور بدوي لم يقنع « بالخلاصة » بل طمح ايضاً الى « الكل » : ها هو ينتخب مائة رائعة وينكب على ترجمتها واحدة فواحدة. وهنا ايضاً، عوضاً عن ان يبدأ حيث ينبغي ان يبدأ - اي في الاغريق - فقد بدأ بالمثاليين الرومنطقيين في القرن التاسع عشر، امثال « ايشندورف » و « فوكه » و « جيته » و « بيرون » : فاذا بالفوضى نفسها تعود، وبالاضطراب نفسه يستحكم ويستبد.
وبعد، هذه مقدمة اخشى ان تكون قد حلت محل ما اردت ان اكتبه في هذا المجال، فلقد اردت ان اكتب كلمة عن « هموم الشباب » - هذه القصة اللاقصة التي اصدرها الدكتور بدوي مؤخراً في عداد « مبتكراته ». حقاً انها لمبتكرة : ففي اسلوبها ابتكار، وفي موضوعها ابتكار، وفي الجو الذي ابصرت فيه النور ابتكار ايضاً : وكم كان القارئ الحق يؤثر ان يخلو اسلوبها من هذا التعنت اللفظي - البياني، ومن ذلك التقلقل الواضح في الفن القصصي، وكم كان يرغب في ان ينصرف موضوعها عن الاسباب في الوعظ والتعليم الى الاسباب في تحليل الاشخاص الذين منهم يُتعظ ويُتعلم. وكم كان ايضاً يتوق الى ان يصفو جوها من الاصطناع والتملق، وينقى من الدجل والتمويه - إذن، لزاد وجدانها في اعماقه متسعاً رحيباً تنزل في افيائه على الرحب والسعة.
ومهما يكن من شيء « فهموم الشباب » ذات قيمة من نواح عدة : اولها - انها دلّت على ما سينتهي اليه عبد الرحمن بدوي بعد تجواله السحيق في عوالم الفكر : اعني اديباً كغيره من ادباء مصر، ينتهي حيث كان الاجدر به ان يبدأ، ويبدأ حيث كان الاجدر به ان ينتهي. وثانيها - انها القت ضوءاً على شخصيته وانارت بعضاً من نواحي كيانه وتفكيره اللذين كانا، كما يعترف هو، مقنعين، مزيفين، يرددان اصداء غيرهما من الكيانات والافكار. وثالثها - انها مفترق الطريق الذي وقف عليه بدوي مودعاً معاذيره ومنطقيته ومثاليته الالمانية ومستقبلاً ذلك المذهب الكياني (الوجودي) الذي يزداد انتشاره في الوقت الحاضر. ورابعها - هذه الآراء التقدمية التحررية، في معظمها، التي يحشدها المؤلف قصداً او اتفاقاً في سياق حديثه. ولهذا اشجع القارئ على مطالعتها بعناية واهتمام.
« نافذة »
