اندفعت السيارة في عتمة الليل ، في طريقها الى بغداد تنهب الصحراء ... سارت ميلاً ، ثم ميلين .. لكنها تسير على غير هدى . ولحظ سليمان انه تائه ولا شك ، ولم يعد يأمل خيراً في متابعة السفر ففضل ان يقترح على الرفاق ، البقاء حيث هم ، الى ان ينبلج الصبح . « فشر الصباح ولا خير المساء » واستحسن الرفاق هذه الفكرة . وناموا ليلتهم تائهين في عرض الصحراء يأملون في الغد خيراً .
مضى نهار ، ثم نهار ثان ، وثالث ... وسليمان يدور في سيارته ، ينهب الصحراء دون نتيجة . وبغتة توقفت السيارة ولم تعد تتحرك . بهت سليمان وقام يفتش عن السبب .. ثم طأطأ الرأس ، باهت اللون ، يعلو جبينه الاضطراب والحيرة ، يفتش متعباً .. فأطل احد المسافرين رأسه من السيارة ، وسأل :
— ماذا يا سليمان ؟
فتطلع سليمان بالسائل ، وهو يتردد في ما سيقول . هل يعلن لهم سر توقف السيارة .. وكيف يكون وقع الاعلان على معنويات الرفاق ؟ .. ولكن لماذا يلوم نفسه .. هو المسؤول عن كل ذلك ؟ لا .. ليس هو المسؤول .. لقد ملأ المستودع مؤونة الطريق وما يزيد .. ولكن المستودع انتقب ، لسبب من الاسباب ، فهل هو مسؤول عن ذلك ؟
.. انما الامير مستعجل كثيراً ... ومضطر الى الوصول لبغداد في الغد ... وكيف يفاجئه بتوقف السيارة .. بتوقفها الطويل .. الطويل حتى يشاء الله ان يفتح عليهم باب الخير في هذه الصحراء .
ولعن الساعة التي قرر فيها هذه السفرة وقتي لو انه بقي في بيته وادعاً هنيئاً قرب امه الشقوق ، وقرب من يحب .
الا انه لماذا يتردد بعد هذا في اعلان الامر .. فالذي يصيب المسافرين سيصيبه . كلهم في المحنة سواء ، وبعد .. فليصرح لهم بحقيقة الامر .. لعل احدهم يطلع
برأي مصيب ..
وقبل ان يهم بالكلام سأله الامير :
— خير ، انشاء الله ، يا سليمان ...
ما السبب ؟
لقد نفذ البنزين يا مولاي !
« نفذ البنزين » ! رددها المسافرون في باطنهم اكثر من مرة ، وهم يتطلع بعضهم الى بعض ، تعلو وجوههم صفرة الاخفاق والاضطراب .
وشكر سليمان ربه لان الامير ورفاقه لم يعاتبوه ولم يسألوه لماذا نفذ البنزين . ولم يقولوا له : « انت المسؤول عن ذلك » وتعجب عندما رأى الامير يهتم للحالة اهتماماً كبيراً . ثم رآه يلوم الدليل لانه اوصلهم الى هذه المهلكة .. ثم لما ترجل واندمج بين المسافرين كأن الامارة انسلخت عنه .. لقد اصبحوا جميعاً لا يفصل بينهم فاصل . ليس بينهم كبير ووضيع ، واميروسائق بل كلهم تجاه المحنة المستعصية ، يلاقون نفس المتاعب ويفكرون نفس التفكير .
.. انما الدليل كان متعباً اشد التعب ، ويفكر اشد التفكير ، انه وحده المسؤول عن هذه المحنة . وعليه ، وحده ، ان يعمل لخلاصهم منها .. يتطلع في الرمل الناعم ، لا يرفع نظره .. هل تراه كان يفكر بنفسه ، ام تراه كان يفكر بالآخرين ؟ .. هل كان مشغولا بالتفتيش عن منفذ يتخلصون منه ؟ .. ولم ينتبه الا لصوت الامير يدعوه :
— يا منيف ، قل .. انت خبير بالصحراء ، هل من منفذ لنا ؟
اطرق قليلاً ثم قال :
— اني اعرف يا مولاي في هذه المحنة عمارة قديمة بالقرب منها بئر ماء ، وتزورها القبائل ، فأشير عليكم ان نسير نحوها ،
وامرنا لله .
— هل تبعد كثيراً ؟
— لا اعلم بالتمام .
لم يكن سليمان واثقاً من صحة كلام الدليل ، وكاد يظن انه يخترع ذلك المخرج اختراعاً . بل انه ظن ذلك بالفعل ، انما لم يجرأ على التصريح بما يعتقد ... واذا صرح وقالوا له : هات رأيك ، هل عندك مخرج خير من هذا ؟ .. وهو مرغم على اتباع المسافرين كيفاً توجهوا ، لانه يجهل منافذ الصحراء .. ثم لقاء الشر ، بشخصه ، منفرداً ، اصعب بكثير من لقائه مع المسافرين . وكان يحدث نفسه مثل هذا الكلام : « توكل على ربك يا رجل وسر مع هؤلاء الناس . ان الذي يقدره الله تعالى لا يمكن ان يخلص منه آدمي » . ولم ينته الا للامير وهو يدعوه للعدو نحو المحلة التي عينها الدليل . لكنه هو لا يحسن العدو بمقدار ما يحسنه المسافرون وكلهم « بدو » وقدرة « البدو » على الركض مشهورة !
ثم ان المسافرين يعدون دون ان يتطلعوا الى الوراء ، اما هو ، فسيترك سيارته لوحدها في عرض الصحراء ... وكيف يتركها ويبتعد عنها وهي سبيله في العيش ، لا يملك سواها بما يمكن له الافادة من الحياة ؟! الا انه كان يعود الى نفسه ويقول : « لماذا البقاء هنا بالقرب من هذه السيارة ؟ .. ماذا استفيد اذا ابقيت عليها وخسرت حياتي جوعاً وعطشاً ؟ .. لا ، فلاسر مع الرجال ، لعلنا نجد الماء هناك ، فنشرب ، ولعلنا نحظى بالبدو ، فيأتونا بالطعام » .
واندفع يركض مع المسافرين ركضاً لا يأمل منه خيراً ونفعاً ، وكلما سار خطوات كان يسأل منيفاً : هل نزال بعيدين كثيراً يا منيف ؟ فيسمع صوت منيف ، من جوف الصحراء ، فيه التعزية والتشجيع : « توكل على الله يا سليمان .. سنصل » فيردد سليمان في باطنه : « سنصل !

