«لا .. لن نصل .. آه .. لن نصل»
وبدأ التعب ينهك جسم سليمان نهكاً، وأخذ التعب يبدو عليه، ولم يتمكن من مسيرة الرفاق في العدو، لقد سبقوه.. سبقوه.. وها هو وحده يعدو بعيداً عنهم يناديهم كي يتمهلوا ليلحق بهم وهم لا يسمعون نداءه، وكان يسمع عقله الباطن يردد صوت الدليل: «توكل على الله يا سليمان، سوف نصل، نعم، سنصل!» فيتشجع ويلمع في باطن نفسه بارق أمل، ويندفع يسرع الخطى، وكلما كان يشد في العدو كانت تظهر له المسافة بينه وبينهم
بعيدة، حتى تثاقلت رجلاه وخانته قواه، وارتمى على الرمل يلهث تعباً منهوكاً، وقد طابت له مرارة الموت.
وانتبه إلى صوت يدعوه من بعيد، هو صوت الدليل: «سليمان، سليمان... وصلنا يا سليمان، هيا». فتنشط، وقام يعدو من جديد. يعدو، وهو يكاد لا يشعر بما يقوم به من حركات.. وعيناه تتيهان إلى البعيد تفتشان عن رفاقه..
... انطفأ الصوت في صدره .. وكادت تنطفىء شعلة النور في عينيه. فهو لم يعد يرى شيئاً. الدنيا أصبحت عنده قرصاً
يدور... وأحس ذاته كأنه يدور على نفسه. وتخيل له، كأنه يرى، إلى البعيد واحة وينبوع ماء يجلس حوله الرفاق. فأجهد نفسه. وخطا خطوات معدودات كانت آخر ما تبقى عنده من عزم للجري ومن نشاط لتحمل آلام العطش والجوع وارتمى كالمشلول، لا يعي، ولا يفكر بغير «الموت» و«الحياة».
لم يعد يأمل أنه سيعيش. وبات يستعد لملاقاة ربه. ما أصعب هذه الساعة وما أطولها.
لقد أحب سليمان الحياة .. هذه الحياة

