المليئة بالمتاعب والاهوال والمشقات . احبها وعمل من اجلها دون ان يكل . لم يكن يضعف عندما كانت تجابهه الصعوبة . وكم من صعوبة ذللها ، واكمل سيره المضنك ، وهو لا يبالي ..
لقد اعطى الحياة كثيراً ... اعطاها بلا حساب . ولم يكن يأمل منها ان تبادله عطاء بعطاء ، وسخاء بسخاء . فهو مؤمن بان الحياة تأخذ ولا تعطي . وكان همه ان تتوفر له الظروف ، ليجمع الى حياته حياة فتاة احبها بأكمل ما يكون الحب الشريف واسمى ما يمكن ان يكون السمو .
لم يكن يفكر بان لكل شيء نهاية .. وعلى افتراض ان ذلك صحيح ، فهل يجوز له ان ييأس ، وينظر الى غده قانطاً مرتاباً ، وهو لا يزال في زهرة العمر ، وما بينه وبين النهاية سنوات طوال ؟ ..
فلقد كان ينظر الى المستقبل بابتهاج .. ولقد كان يسعى الى تهيئة هذا المستقبل بنشاط قوي .
وفي هذه الساعة .. في هذه الساعة التي يصافح فيها الموت .. والفناء ... في هذه الساعة التي تقطع الصلة بينه وبين الحياة التي احب ، تقطعها الى الابد ...
وفي هذه الساعة التي تبعده عن حبيبته ، وعن امه ، بعداً لا لقاء من بعده ... في هذا كه ، بدا سليمان اشد تعلقاً بالحياة ، وبحبيبته ، وبأمه ، ورغب من الصميم ، لو يتاح له يوماً واحداً من البقاء ، كي يودع فيه من احب .
وراح عندئذ بالخيال ، يستعرض ايامه السعيدة ، في القرية الهادئة ، الساكنة .. كأنه يودع ، بنظرة باطنية ، لآخر مرة ، تلك الربوع العزيزة ، الربوع التي رأى فيها لاول مرة في حياته وجه الطبيعة الجميل .
« ... هنا .. آه في هذه الزاوية ، جمعتني الصدف ، في ساعة ليل ، بالعزيزة وفية . اين انت يا وفية .. يا ضياع الاماني العذاب ... هل تبقين على حبي .. هل تذكرين ، بعد ، سليمان ! سليمان ... اذا
غاب عنك الغياب الطويل ؟..
يا لوعتي عليك يا وفية ؟ قد تركت اهلك وخالفت رأيهم ، لتكوني لي دون سواي .. آه ، ما اقسى القدر الغاشم ! كيف يفصلني عنك .. وانا .. انا احبك يا وفية .. ايها الموت ، اعطني مهلة يوم واحد ، ارى فيه الحبيبة .. آه .. ان الموت لا يرحم .. احسّ بقواي كأنها ذابت .. واختفت .. قلبي !.. قلبي !.. يكاد ينشف .. »
ومد عندئذ يده بحركة عفوية الى جيبه وتناول قبضة من الليرات الذهبية ، يرمقها بعينين اضناها التعب ، وجرى يحدق في الذهب ويحدث نفسه :
« لقد تعبت كثيراً في الحصول على هذه الليرات .. نعم ، تعبت ! ولكن ما الافادة منها ... ما كان اجهلني !.. هل تعيد لي حياتي .. لا ! ان المال بات لا يفيد .. آه ! قد ضلّت سبيل العيش !.. ليتني اعود الى النشاط ، فقيراً .. لا املك الدرهم ... لكنني كنت اتعب من اجل
امي ..»
واحس بقشعريرة باردة عندما مر ذكر امه في خياله ، لقد كان يحب امه حباً بليغاً .. ولقد كان يسعى ليوفر لها اسباب الراحة والسعادة ... والآن ، وهو بين الموت والحياة ، بعيد عنها ، يتصورها ، فلا يقوى على التحديق والتفكير فيها كثيراً .. انه متعب .. والتفكير بامه يضنيه .. لانه يخشى عليها الموت من بعده ..
لكنه عاد يتذكر وفية .. انها هناك بالقرب من امه ... تؤاسيها ، وتأخذ يدها ..
« نعم .. كوني عوناً لامي ، يا وفية من بعدي !..
ساعديها .. انا واثق من اخلاصك .. انك لن تدعي امي تتجرع مرارة اليأس ! نعم وفية ، لن تدعي امي .. امي .. وفية .. وفية !.. »
وغاب عن الوعي ، وراح في غير دنى ، وهاتان الكلمتان : « امي .. وفية » عالقتان بين شفتيه !

