يحتاج ان يلجأ الى الغدر والحب والرياء ، ليتخذها اسلوباً من اساليب حياته واحكام صلاته بالناس . هو يعيش بحكم وضعه واوضاع بيئته حراً صريحاً مادام كل شيء حوله حراً صريحاً ، والعكس بالعكس . ولكن الذي يولد وينشأ عن بيئة قائمة على قواعد الكذب والحب وانواع اخرى من البيئات . ان هذا الذي يولد وينشأ في مثل هذه البيئة ويعيش مع جماعة متأثرين بها ويخصها الى ابعد حدود التأثير لا يستطيع ان يدرك معنى الحياة الصريحة الحرة التي لا يفسدها غدر ولا رياء . فهو اذ ينشأ مراوغاً غداراً ، لان الوسط الذي عاش فيه ، والجماعة الذين شاركهم الحياة وجاراهم اساليبها لم يتعلم منهم الا هذا الاسلوب منها ولم يرشدوه الى طريق سوى هذا الطريق .
ولهذه المشكلة ، مشكلة البيت ، بواعث كثيرة . وبما اننا نحن الآن بصدد المرأة ، فلنبحث اسبابه الناشئة عن فساد وضعها . وقد يكون الطلاق من اقوى البواعث على هذا الوضع ، لانه وتعدد الزوجات من اهم القضايا الاجتماعية التي تحل بحياة النشء وتبث فيه السموم الاخلاقية التي تحول بينه وبين الرقي النفسي الصحيح ، وذلك لان اختلاف الامهات يولد غالباً اكثر الميول والنزعات سوءاً في نفوس الاطفال . وقد تتساءلون : وما سبب ذلك ؟ . اما سببه فواضح صريح : فالطفل الذي ينشأ ويربى وهو بعيد عن امه ينشأ موزع النفس مضطرب البال والخاطر ليس من حنان اموي يلجأ اليه كلما شعر بالحاجة النفسية الى هذا الحنان . بل هنالك قسوة تلقاء ابنا توجه . فيلتمس الازقة ورفقة السوء هرباً منها ، وهذه بدورها تفعل فيه مفعولها ، وتدربه رويداً على السوء وتنفث فيه جميع هذه السيئات التي ذكرتها . هو يكذب في داخل البيت ويراوغ لان الوضع في هذا البيت يضطره الى الكذب والمراوغة إما لجهل الام نفسية
الطفل وسوء تصرفها معه وإما لغياب هذه الام عنه ووجود اخرى لا تمت اليه بصلة . وهو يكذب خارج البيت ايضاً ويراوغ لانه يعلم ان اوضاع جميع من يلقاهم خارج البيت ويختلط بهم تماثل وضعه ، فهم ايضاً يكذبون ويخدعون ويراوغون . ثم هو يؤثر مصلحته الخاصة على كل شيء ، لان البيئة التي حوله والبيت منه ايضاً ، لم تهتد الى الطريق التي تولد الثقة في نفسه وتحمله على توليدها في نفوس الآخرين . بل كل اسلوب من اساليبها معه يكاد يكون داعياً من دواعي الريب والشكوك . فسوء الوضع في البيت قد ادى الى فساد الاوضاع في الخارج ، وفساد هذه الاوضاع انتهى بنا الى هذه النتيجة : امة يشكلها افراد ومصالح فردية ، لا جماعات تربطها مصالح القومية المشتركة . وان كان لهذه الجماعات وجود، فهي تعيش لنفسها متفرقة هنا وهناك كل واحدة منها منطوية على ذاتها ، لا تجمعها الى البقية قوانين الحياة والاجتماع الطبيعية التي عنها ينبعث تضامن الامم واتحادها . فالفرد في بلادنا لا يعتبر ذاته جزءاً متمماً للكل الذي هو المجتمع ، انما يعتبر هذا المجتمع من جملة الاجزاء الكونية التي يجب ان تخضع عند المصلحة لهذا ( الكل ) الذي يكوّنه .
اما اثر الطلاق في نفسية المرأة فشأنه اعظم وخطره اجل ، لقد قسمنا في بدء هذا البحث اوضاع المرأة العربية الى ثلاثة اقسام ، وتبينا من هذا التقسيم ان هنالك المستعبدة والمتحررة والمستعبدة الحرة التي هي بين بين . وشيئاً من الملاحظة يجعلنا نتبين ان السواد الاعظم من الطبقات النسائية في بلادنا مؤلف من القسم الاول اي من المستعبدة . وقد حللنا نفسيتها وأبنا بان ضغط النير الذي فرضه عليها الوسط الاجتماعي فرضاً ثم توالي السنين عليه ، قد افنينا فيها كل شعور بذاتها وكرامتها . وكيف بها تفكر بامرها او
بوضعها او بكيانها الذي محاه وبتره الاضطهاد مادام الشعور الذي يتولد منه التفكير مبتوراً فيها ؟
انها ما زالت بعيدة عن مثل هذه الخواطر وحياتها اقرب الى حياة البهائم منها الى حياة الانسان . بل ما اشبه هذه الحياة بل هذه النفس بالآلة الميكانيكية التي لا يصدر عنها شيء الا بصورة آلية لا انسانية . ولم ذلك ؟ الآن هذه المستعبدة المسكينة لم تولد الا لتستعبد ؟ ولم توجد الا لتكون اداة لهو وتسخير ؟ ام لان دعوى الدعاة بانها ما وجدت الا لهذا اللهو والتسخير ، قد تسربت اليها بالعدوى ، وتغلغلت فيها حتى اصبحت لديها عقيدة . فكم في نفس المرأة من مجاهل ومواهب لم تكشف بعد الحياة عنها ، لبعد المرأة عن هذه الحياة وعن ظروفها واحوالها ، وكم من فوائد كان بوسع المجتمع ان يفيدها من هذه المواهب لو اتيح لها الخروج الى النور لتبرز في بعض ميادين الحياة . ولكن نوع الحياة الذي تحياه منذ اجيال قد طمسها فيها ودثرها في غياهب مجهولة من نفسها وجعلها وبيئتها لا تعتبر ان صلة الرجل بالمرأة الا من ناحية فحسب . لا تقولوا هذا تعصب للمرأة ، بل قولوا هذا دفاع عن كرامة انسانية من حقها ان تصان لا بل ان تقدس في كل انسان سواء رجلاً كان ام امرأة . فانا لا اطالب الرجل حين ادافع عن كرامتها الشخصية الا عدلا بهذه المخلوقة التي لا تملك من حقها شيئاً في بلادنا ، والتي لا حول ولا قوة الا به . فلم تجهل المرأة الشرقية معنى الصراحة والحرية النفسية . ولم تكذب وتلجأ احياناً الى الغدر والحب وغيرها من الاساليب . الأنها مفطورة على هذه الحصال ، ام لان ظلم البيئة وقسوتها قد اجتاهما الى هذه الاساليب . تصوروا عيشة هذه المرأة وهي اشبه بعيشة البهائم منها بعيشة انسان . تصوروا كيف حالة عقلية المجتمع وتربيته
