أنا شارون سوسنة الأودية.
ودرجت بنا السيارة من عكا
مدينة العز القديم، قاهرة نابليون
بالأمس، وقد قفرتها الحوادث اليوم،
تضطجع على خليجها كأنها شبه جزيرة، أو كأنها لبوة تبدو حاملة بينما هي تتحفز للوثوب، أو كأنها بمآذنها الشاهقة وأسوارها المحطمة سجين حطم قيوده وانتصب ليستعيد حريته من جديد.
وراحت السيارة تتغلغل في سهل شارون، يعبق أريج ازاهيره بين نرجس وسوسن، وشقائق وزنابق تلك الازاهير التي لم يجد سليمان أجمل منها شبهاً بمحبوبته، فهمس من أعماق قلبه الذي تزاحمت فيه الغانيات «كالسوسنة بين الشوك كذلك حبيبتي بين البنات».
والتفتّ إلى رفاقي في السيارة حولي فإذا بهم: شيخة جللها المشيب فكساها جمالاً على جمال احتفظت به رغم كرور الأعوام، وفتيان في أعمار البدر ممن قال فيهم الشاعر «لنا الغد».
ولم يكن بد من الحديث والطريق طويل والرفيقة بجانبي أليفة بشوشة، شابة في ثياب شيخة وصبية في جسم كهلة، حدثتني عن ماضيها السعيد الذي تحدت الأيام لتجعله سعيداً فتغلبت على الألم الذي لا بد أن يمازج الحياة، حدثتني عن عائلتها الموفقة من زوج وأولاد، ولا عجب فقد بثت من روحها العالية في أرواحهم، وخلقت منهم أفراداً يعرفون كيف يقابلون معاكسات الأيام ببسمة العزيمة، حتى إذا راحت تحدثني عن ثقافتها الانكليزية والكتب القيمة التي طالعتها رأيت أحد الفتيان يلتفت البنا وعلى ثغره ابتسامة مستهجنة لمحتها الشيخة الذكية فأسرعت تقول: اتعجب يا بني لثقافتي الانكليزية؟ إنني أتكلم اللغة قبل أن تولد أنت... وضحك الفتى وهو يقول: أحقاً يا جدتاه؟ قالت دون شك، تعال نعمل حساباً كم عمرك؟ قال الفتى عشرون عاماً قالت وأنا في الستين وإنني أتكلم الانكليزية منذ كنت في العشرين أفلا ترى أنني أتكلمها قبل أن تولد بعشرين عاماً؟؟ وضحك الفتى وضحكنا، واستمرت السيارة تدرج بنا مخلفة وراءها حيفا جارة الكرمل منذ القدم، مدينة الضجيج والحركة وميناء البحر الأبيض المتوسط في الغد القريب كما يتوقعون أن تكون.
تلك قصة من صميم الحياة جعلتني أفكر بالنهضة النسائية في فلسطين حتى إذا سمعت الناس يتحدثون عن ابنة بلادي حديثهم عن أمية تسير في موكب الحياة في المؤخرة رحت أبحث واستقصي ثم رحت أقدمهم للناس وللحقيقة والتاريخ كما هي، لا كما صورتها أقلام مرت بالبلاد
مروراً عابراً فكونت لها رأياً لا يستند إلى بحث
أو تدقيق.
كانت فلسطين منذ أن كانت قبلة أنظار العالم الغربي، ذلك العالم الذي ظل منذ قرن يتحين الفرص لينقض على الرجل المريض كما كانت تركيا تدعى، والاستعمار العلمي هو مقدمة للاستعمار السياسي، هو تهيء النشء، رجالاً ونساءً لحب المستعمر. تلك عقيدة كانت تقول بأن من تثقف بثقافة قوم لا بد أن يتعشقهم، فأظهرت الأيام خطأ تلك العقيدة. وهكذا تسابق الغرب ليؤسس المدارس في البلاد العربية عامة وفي فلسطين خاصة. فكنت ترى في كل مدينة وفي معظم القرى مدارس انكليزية وفرنسية وأميركية وألمانية وروسية وحتى الأسوج أسسوا لهم في العاصمة المقدسة مدرسة، فهل فكر كل هؤلاء باستعمارنا أم أن بعضهم فعل الخير لمجرد الخير؟ وهل فكر الأسوج باستعمارنا أيضاً أم أنها الشعوب الصغيرة الطيبة التي تتقرب إلى الله لمجرد القربى وذلك بمجاورة مهد عيسى وحده؟ الله يعلم. أنا على كل حال ومهما كانت النية فمن العدل والإنصاف أن نقرر حقيقة واقعة وهي أن هذه المدارس كانت من أكبر العوامل في نشر العلم وتشويق المرأة للإقبال عليه.
وأقدم من أسس مدارس الإناث في فلسطين هن راهبات مار يوسف فقد أسسن عام ١٨٤٨ عدداً من المدارس في مختلف المدن، وكبرى هذه المدارس في القدس وقد أصبحت اليوم ابتدائية ثانوية كاملة، وبعد عام من تأسيسها تأسست مدرسة «طليطا قومي» الداخلية للبنيات ولكنها لا تزال ابتدائية.
وفي عام ١٨٦٧ أقبل الانكليز بجمعيتهم المعروفة بـ CMS فأسسوا في كل مدينة وقرية تقريباً مدرسة للإناث حتى أن القرى الصغيرة أمثال الرينة وكفر كنا أو قانا الجليل بجوار الناصرة وعدد سكان القرية منها لا يتجاوز ألف نفس يومئذ، كان في كل منها عام ١٨٨٥ مدرسة ابتدائية تحتوي ٧٠ طالبة. كما أنهم أسسوا في العام نفسه مدرسة البنيات الداخلية في الناصرة ومعدل الطالبات فيها ١٢٠ طالبة ولا تزال حتى اليوم عامرة بهن.
وفي عام ١٨٦٩ أسست جماعة الفرندز الأميركية إحدى عشر مدرسة في المدن والقرى ثم أسست عام ١٨٨٢ مدرستين داخليتين في رام الله بجوار القدس إحداهما للإناث وتنتهي عند الصف الثانوي الثالث وعدد الطالبات فيها وفي المدرسة الخارجية بجوارها ٢٦٠ طالبة.
وفي ١٨٨٠ أسست جمعية راهبات صهيون مدرسة أصبحت عام ١٩٣٣ ثانوية كاملة ولا تزال تعمل نشطة في القدس كما أن راهبات الفرنسيسكان وراهبات المحبة أسسن عام ١٨٨٥ مدرسة لكل رهبنة منها.
وفي عام ١٨٨٦ أسس الأب شمت مدرسة تعرف باسمه وقد أصبحت اليوم كلية شمت للبنات. وعدد طالباتها ٤٠٠