
انفه كالذي في نوم هانئ. وتحركت زوجته من خلفه بنفس الكيفية، تربط كل كومة بلطافة ورشاقة، وبلا اجهاد.
حتى اذا علت شمس النهار تجمع الناس من كل حدب وصوب يتفرجون على الحاصدين، وارتفعت الشمس في قبة السماء واشتد القيظ، وهدأت الريح، وسكنت عيدان الشعير فلم يعد بها من حركة، بل انتصبت في هدوء مطبق برؤوسها المبيضة وسيقانها الذهبية. وكان قد تكونت بين الشعير فجوة كبيرة مبعثرة لا زالت تتسع. اما الرقعة الجرداء فقد كساها قليل من البرسيم الاخضر الذي زرع مع الشعير، وكانت مرقمة بالكومات التي اخذت تحولها الشمس الملتهبة الى لون ابيض. وكانت جلبة الناس المتجادلين يتخللها الصوت القارش المنتظم لمناجل الحصاد.
وقبل الظهر كان بودكين قد حصد نصف قطعته. كان قد وضع حجر في منتصف الخط الفاصل، ولما بلغه بودكين رفعه في يده وانتصب قائماً وصاح: «هذا هو البرهان على انه لم يولد قط في جزيرة انقرارا رجل له مهارة جوني بودكين». فأجابه الحشد المجتمع على السور بالتهليل، ولكن كيت كنسيدين الضخمة الجسم لوحت بجزمة فوق رأسها في مرح وصاحت بصوت خشن كصوت الرجال: «ان النهار لا يزال فتياً يا بودكين يا ذا اللحم الرخو!» فضج الحشد ضاحكين مقهقهين واستشاط بودكين غيظاً، ولكنه لم يجب، لانه لم يكن حاد الذكاء. اما جل وزوجته فلم يلقيا اليها بالاً ولم يرفعا اعينهما عن الحصاد.
كانت زوجة بودكين اول من ذهب لجلب الغداء. فجاءت بقدح مملوء بالشاي البارد وبفطيرة كاملة من الدقيق الابيض انضجت في الفرن وقسمت الى قطع كبيرة كل قطعة منها غارقة في السمن. وكان معها ايضاً اربع بيضات سلقت حتى تحجرت.
لم يكن لبودكين وزوجته اطفال ولذلك كان بوسعها ان يعيشا عيشة رخية، او على اية حال عيشة تفضل بكثير عيشة الفلاحين الآخرين. فما كان من بودكين الا ان طرح منجله والتهم ثلاثاً من البيضات بجشع بينما التهمت زوجته - وكانت لا تقل عنه جوعاً - البيضة الرابعة. ثم بدأ بودكين بأكل الخبز والسمن ويشرب الشاي البارد بسرعة لا تقل عن السرعة التي حصد بها الشعير. وقد استغرق ذلك منه ومن زوجته دقيقتين وثلاثة ارباع الدقيقة بالضبط، اتيا فيها على كل ذلك القدر الكبير من الطعام والشراب. وكان جلوغر، الطبيب، بعد الزمن وهو واقف على طريق الساحل، إذ تملكه الفضول الشديد. وما ان انتهيا من طعامهما حتى استأنفا العمل بنفس العنف والهياج.
وكان كنسيدين قد جاء حتى صار بموازاة بودكين في اللحظة التي استأنف فيها بودكين العمل، وبدلاً من الاستراحة لتناول الوجبة اكل هو وزوجته وفقاً للسنة القديمة المأثورة بين فلاحي انقرارا في المنافسات التي من هذا النوع. فان كيت اطعمت زوجها فطيرة من دقيق الشوفان مكسوة بالسمن. وبين الفينة والفينة ناولته قدح الشاي، فكان يتوقف ليشرب جرعة. وهكذا كان لا يزال بموازاة بودكين تقريباً حين اتم أكلته. وقد زاد انفعال المتفرجين اذ رأوا من كنسيدين مثل هذه العزيمة، وبدأ البعض يقولون انه سيربح السباق.
لكن أحداً لم يعر اهتمامه الى جل وزوجته، ولكنهما لم يتوقفا ليأكلا، وكانا يزدادان اقتراباً من منافسيهما. كانا لا يزالان متأخرين بعض المسافة الى الوراء، ولكنهما بدوا حافظين لقوتهما ونشاطهما، بينما بودكين قد بدأ يبدو عليه الاجهاد، اذ قيدت وجبته الثقيلة من نشاطه، وبينما اتضح ان كنسيدين قد اخذ يفرغ جعبته
من القوة المدخرة. فلما وصلا الى الحجر في منتصف المسافة وضع جل منجله بهدوء وامر زوجته باحضار الطعام. فجلبته من السور، وكان عبارة عن فطيرة من دقيق الشوفان مكسوة بالسمن وزجاجة من اللبن الحليب في قعرها قدر من دقيق الشوفان. فأكلا بتمهل، ثم استراحا برهة. فبدأ الناس يتهكمون عليها حين رأوهما يستريحان، ولكنهما لم يعيراهم اهتماماً. وبعد ما يقرب من عشرين دقيقة قاما ليستأنفا العمل. فعلا هتاف من الهزء والسخرية، وصاح شيخ هرم: «انت عار على اسمي يا ميكال.» فأجاب ميكال: «هدىء روعك يا أبي، ان السباق لم ينته بعد.» ثم بصق على راحتيه وقبض على منجله مرة اخرى.
اذ ذاك والحق يقال بلغ الاضطراب والانفعال أوجه، فان جل وزوجته استأنفا العمل في سرعة عظيمة. كانت حركتهما لا تزال آلية منتظمة كما كانت من قبل، ولكنهما ضاعفا سرعتها او كادا. فبدأ الناس يصيحون بهما، وبدأ الاعيان يتراهنون. ولم يكن انفعال العواطف قبل الآن شديداً اذ كان من المسلم به ان بودكين سيفوز اذ كان قد تقدم مدى بعيداً. اما الان فقد ظهر ما يهدد تفوق بودكين. حقاً انه كان لا يزال سابقاً لجل بشوط بعيد، ولكن صار من الجلي ان التعب قد حل به، وصار منجله يخطئ مرة بعد مرة ويشتبك رأسه بالارض. كان العرق ينهمر من بودكين، وبدأ ينظر وراءه الى جل، حانقاً من صياح الناس.
وقبيل الساعة الرابعة خارت قوى كنسيدين فسقط على الارض وقد انهك انهاكاً تاماً، فاضطروا الى حمله الى السور. وتجمع حوله حشد، واعطاه القسيس، المستر روبرتسن، جرعة من البرندي من