كان الناس يقدرون عمر الفن منذ مئة سنة تقديراً زائفاً اعتقاداً منهم انه حديث العهد لم يمض عليه الا بعض قرون، شأنهم في ذلك شأن تصديقهم ان عمر الخلقة لا يزيد على بضعة آلاف من السنين جرياً على قول علماء الدين من ان آدم خلق سنة ٤٠٠٤ وان ولادته في اليوم الثامن والعشرين من شهر اكتوبر.
لكنهم بعد ان كتب ونكلمان كتابه في تاريخ الفن، وبعد ان عقبه ليسنغ وغوثي بكتابهما في الموضوع نفسه تأيد بالادلة الساطعة ان الفن سبق الحضارة اليونانية القديمة بزمن مديد. واذ ذاك بُعث انسان قبل التاريخ من قبره ليشهد له العالم قاطبة بأنه كان فناناً وانه كان من الطبقة الاولى بتوهج الخيال ورهافة الحس ودقة الملاحظة. وذلك بما استقرىء من العاديات وعرض من الآثار.
ولقد انقضت القرون الاربعة الاول بعد التاريخ في الاقتصار على صنع الايقونات الى ان قام جيوتو (Giotto) الايطالي واجترأ على تصوير الناس، وذلك انه اقترح على اصدقائه من جماعة الفن ان يصوروا جماعات المتفرجين على سلسلة صور تمثل حياة القديس فرنسيس دي اسيسي، وهذا جر الرسامين تدريجياً الى تصوير الحياة والمتاع والجواري والفاكهة والبقول والآنية الفضية والخزفية والارانب والسمك والديكة الميتة والزوجات في مطابخهن وقد جعل بعضهم ارضية هذه الرسوم من صور التلال والبساتين والحقول. الا ان الكنيسة وقفت حائلة دون ذلك مهددة الرسامين بالحرمان والاتهام بالكفر، الى ان عجزت ان
دراسة ماري مجيبي
تصدهم عما يبتغون من تصوير الناس والحياة.
كان الناس في العصور الوسطى يتهافتون على شراء الصور تهافتاً عظيماً. وكانت الرسوم تقوم عندهم مقام السينما عندنا اليوم. فالفن عندهم ملهاة يجعلونها ويقبلون عليها، زادهم عليها اقبالاً ندرة الكتب وقلة وسائط النقل والسياحة.
وكان شغل الناس الشاغل التحدث عن الرسامين، يعرفون كل شيء عن حياتهم معرفتنا اليوم بكواكب السينما العالميين ومواضع اجادتهم ومواقف بطولتهم.
ظل الايطاليون مدى القرن الخامس عشر على افتتانهم بالرسم لا يملون من التحدث عن الرسوم والتفكير فيها والبحث عن تثبيت الالوان حتى ظهر بالبستربنا الملحن العظيم فصرفهم عن الرسم الى الموسيقى. ولما قام في اثره دانتي وبوكاليو وغيرهما من كبار الادباء، دعت غررهم الناس الى مطالعة الادب ووجهتهم اليه. ولكن الموسيقى والادب لم يشغلا الناس مقدار ما شغلهم الرسم لانهم بعد وفاة اولئك الادباء وظهور رسامين حذقوا الفن حذقاً لا نظير له من امثال رفائيل وميشال انجلو عادوا الى البحث بالرسم. وقد اصبحت مدينة فينيس في ذلك العهد كمدينة باريس اليوم مزاراً للناس ومربعاً لغواة الفن واللهو والطرب يؤمها كل من كان يملك شيئاً من المال وميلأ الى الاستمتاع. هذا فضلاً عن توافد المثالين والرسامين ومغنو الاوبرا اليها من كل جانب.
والآن الى الصور التي احب. الى الرسوم التي اعتقد ان الرسام بلغ هدفه
فيها، جريا على قول رامبراندت « ان القطعة الفنية لا تنتهي الا اذا اصاب فيها الفنان هدفه. »
صورة العذراء - تصوير رفائيل. يوحنا المعمدان - تصوير رفائيل. حلم الفارس - تصوير رفائيل. القديس بطرس - تصوير كارافاغيو. رأس المسيح - تصوير فلاسكيه. قيامة العازر - تصوير سيباستيانو دل بيومبو. باريس ومركيوري روبنز - تصوير جيوفاني بيليني. الحطابون - تصوير جيوفاني بيليني. الصيد في القرية - تصوير تانيسير (Taniers) الاصغر. جنيرفا دي بنسي - تصوير ليوناردو دي فنسي. الحورية - تصوير ليوناردو دي فنسي. فلورنسا ورومه - تصوير ليوناردو دي فنسي وهما غير منتهيتين. موناليزا وسانت آن - تصوير ليوناردو دي فنسي. عرائس الشعر الراقصات - تصوير زوان اندريا. العدل والانتقام يطاردان الجريمة - تصوير برودهون. حلب النفس - تصوير برودهون. العذراء والقديسون - تصوير كاراكسي. الحوريات الراقصات - تصوير كورات. الغابة المقدسة - تصوير شافران. تأليه هوميروس - تصوير إنغرس. الراعية والانجلوس - تصوير مليت. الصبيان معها العنب - تصوير موريللو.
كل هذه الرسوم وسواها مما يضيق بي المجال عن ذكره محتفظ بها في المتاحف الغربية. وقد اخذت عنها نماذج جمعت في كتب وانتخبت لتباع من هواة الفن وبامكان القارئة الكريمة ان تحصل على كثير منها، وكلها موحية بالمشاعر العميقة ملهمة رهافة الحس، تملأ النفس خشوعاً وجلالا ومتعة.
وان احب هذه الروائع الي (العدل والانتقام يطاردان الجريمة) لما ارى من شدة افتقارنا الى العدل ..!!
