مهما قيل في الازياء فانها لا تفرض فرضاً ولا يمكن لاحد من الرسامين الماهرين ان يضع تصميماً لفستان من تلقاء نفسه ويضمن رواجه . فما تلبسه النساء يجب ان ترضى عنه النساء .
عام ١٩٢٠ درجت النساء على الزي الذي اطال الصداري حتى الاوراك وقصر التنانير حتى ما فوق الركب ، فراج هذا الزي بشيء من الاستغراب ولما كانت الصداري قد بلغت اقصى مداها في الطول عادت فقصرت . ولما لم يكن مألوفاً ان تقصر التنانير عادت الى الطول بحكم «الذوق العام» .
وفي عام ١٩٢٦ اقيمت حفلة راقصة في لندن ، وكان المدعوون من ذوي الذوق والاناقة . وما ان دخلت سيدة حتى تحول اليها نظر الجمهور بدهشة واستنكار ، اذ كانت مرتدية ثوباً بتنورة كاملة الا انه بولغ في اطالتها من الخلف حتى لامست الارض . وبولغ في تقصيرها
من الامام حتى كشفت عن الركبتين ، فكثر القيل والقال حتى استقر رأي المراقبين على ان معطفها انيق جداً فكانت هذه البادرة اول دليل على تحول الرأي الى اطالة التنانير .
ان اطالة فساطين السهرة من كل الجوانب يعد من ابتكارات مدام لانفان استاذة الازياء الباريسية المشهورة، وقد انتشر هذا الزي ليس لان مدام لانفان ابتكرته بل لانها عرفت قبل غيرها ان الناس تريده هكذا .
فمن كان من ارباب هذه الصناعة وجب عليه ان ينعم النظر في كل ما تلبس النساء من كل الطبقات وفي اي مكان - في السيارة وفي الشارع وفي دور السينما وفي منزلها وفي زيارة اصدقائها - ويدقق في درس الذوق العام . فاذا سهر على هذه المصلحة وكان مخلصاً لها عرف كيف يتدبر امره وعرف ماذا تريد النساء ان تلبس بعد ذهاب الزي الحاضر .
اما القول ان الازياء تتأثر بعوامل دولية او تاريخية فلم يقم عليه دليل عند اساتذة الازياء الماهرين . فالمعلوم ان ظروف الحرب قد حصرت اشكال الازياء وحتى معانيها، فما كان على النساء في البلدان المحاربة الا ان تعوض عما فرض عليها من تقنين الاقمشة . فوجدن، كما يظهر، ان النقص الطارىء لا يغني عنه سوى اللجوء الى رأسمال طبيعي تملكه المرأة ولا طاقة للحكومة وظروف الحرب ان تطاله بالتقنين الا وهو «الشعر» فسكتن عن ازياء الالبسة على مضض وانصرفن الى ازياء الشعر ، ولا بد من الملاحظة ان الرجال ايضاً سلموا بالواقع اذ حولوا انظارهم للحكم على الاناقة من الخصور والسيقات الى الرؤوس المكللة بعجائب وغرائب من الاشكال والالوان .
وان كان لنا من ملاحظة فهي ان المرأة بعد هذه الحرب ستلجأ الى الاقلال من التزيين والاكثار من الترتيب والقبول بالحل الوسط بين الطبيعة والتفنن . اما الازياء فستجري على اسهل قواعد البساطة، وهذا اكيد لان النساء اصبحن يعتمدن على المبادئ العلمية في هذا العصر وقد حان لهن ان يدركن الامور على وجوهها المقنعة الثابتة .
