أخذت صناعة السينما في مصر أثناء السنتين الأخيرتين تتسع اتساعاً ادهش الذين يهتمون بشؤونها لعلمهم بان وسائل تلك الصناعة محدودة جداً. فالاستديوهات قليلة، والممثلون قليلون أيضاً والمخرجون الفنيون شيء نادر في مصر. ورغم هذه الصعوبات وجدنا الشركات السينمائية تظهر الواحدة تلو الأخرى. فكل ممثل في مصر له شركته السينمائية وكل مخرج له أيضاً شركته الخاصة. وقد رأينا الافلام تملأ دور العرض حتى فرضت الحكومة على اصحاب الدور الاجنبية ان يعرضوا الافلام المصرية وقتاً منظماً معلوماً. وقد يكون هذا الاتساع دليلاً على ازدهار صناعة الافلام. وقد يكون دليلاً على ازدهار فن التمثيل ايضاً. الا اننا لاحظنا انه لا يقوم على اتقان ولا على جودة، كما لاحظنا ان الدافع الى تكوين الشركات لم يكن اعلاء شأن الفن التمثيلي، وانما هو الاكتساب من هذه التجارة المربحة. وقد نجم عن التنافس بين الشركات ان كثر انتاج الافلام كثرة لا تسمح للمؤلف ولا للمخرج ولا للممثل ان يتقن كل منهم فنه. فجاءت الروايات السينمائية ضعيفة قصة واخراجاً وتمثيلاً.
والمؤلف السينمائي في مصر لا يفكر في الابتكار والتجديد. وكيف يستطيع ذلك وهو يعلم ان الادب الغربي غني بالقصص، وان الجمهور المصري ليست له دراية تامة بهذا الادب. فاذا اغار المؤلف على قصة غربية فلن يدري بهذا الا القليلون وقد يكون في الاقتباس من الادب الغربي
فائدة مزدوجة: فهو يلهي الجمهور ويثقفه وهو يربح المؤلف ويثقفه ايضاً، ولكن إغارة مؤلفينا على القصص الغربية عدوان ينافي الحق والخلق اولاً، ثم هو بعد ذلك يضر اكثر مما ينفع، لانه يعطي الجمهور من الادب الغربي صوراً مشوهة، وهو يشغل المؤلف عن اتقان فنه مع حاجته الى الاتقان. فالمؤلف يرى ان العبث بالفن والادب ليس بشيء ذي خطر من جهة، وانه - من جهة اخرى - ايسر من اجهاد العقل والخيال والقلم لانشاء قصة مبتكرة طريفة ترفع من شأنه ومن شأن فنه ومن شأن جمهوره. ولست ادري الى متى يدوم هذا العبث، ومتى يشعر هؤلاء المؤلفون بان للفن والجمهور حقوقاً يجب ان تحترم وكرامة يجب ان تراعى. أليس من الحق عليهم ان ينظروا الى السينما على انها وسيلة الى الترفيه ولكنها في الوقت نفسه اداة للتثقيف واصلاح الذوق؟ وسبيل ذلك الا ينزل الفن الى ذوق الجماهير، وانما يرفع
ذوق الجماهير الى حيث هو او يلقاه على الاقل في منتصف الطريق. ألم يأن لمؤلفينا ان يكفوا عن وضع امثال هذه القصص: «ممنوع الحب»، «دموع الحب»، «الحب الاول»، «ليلى بنت مدارس»، «ليلى بنت الفقراء»، «ليلى بنت الريف»، «ليلى في الظلام»، «الماضي المجهول»، «عودة القافلة» الى غير ذلك من القصص الضعيفة التي ترمي الى معالجة مشكلاتنا الاجتماعية فتخطىء السبيل الى ذلك؟ فالمؤلف لا يترك للمشاهد ان يستنبط من الحوادث نفسها مغزى القصة، وانما يلقى عليه العظات بواسطة احدى شخصياته. والعظات لا تجدي حينما تلقى في شبه درس او محاضرة في الاخلاق، وانما تنفر منها النفوس وتضيق بها الاذهان.
وليس الحوار باحسن حظ من القصة. فالمشاهد يقاسي منه مثلما يقاسي منها. هذا اذا استثنينا الفيلم الوحيد الناجح في هذا الموسم وهو «لعبة الست» للاستاذ نجيب