تتمة المنشور في الصفحة ١٣زجاجته، اعادت اليه وعيه، فحاول العودة الى العمل، ولكنه لم يستطع النهوض. فقالت زوجته غاضبة: «ابق هنا، لقد قضي عليك. سأواصل انا العمل بنفسي.»
ولكن الجميع ركزوا انتباههم على الصراع بين بودكين وجل. كان بودكين قد حثه الحنق الشديد فبذل مجهوداً فذاً وبدأ يسبق من جديد. وكان جسده الضخم العظيم يهتز من اليسار الى اليمين ثم يعود ثانياً خلال خط حصاده، فبدا وكأنه يلقف عيدان الشعير الطويلة الصفراء من سرعة ما تساقطت امامه. حتى اذا كملت الكومة قبضت زوجته النحيفة عليها وربطتها. ولكن برغم ذلك حين توقف بودكين في الساعة الخامسة ليلقي نظرة خلفه، اذا بجل يتقدم بانتظام مخيف. فأحس بودكين بغتة باجهاد اليوم كله يتغلب عليه.
وقد اتخذ ذلك الاجهاد اولاً صورة عطش بالغ. فأرسل زوجته الى السور
لتجلب قدح الشاي الزائد. فلما عادت به بدأ يشرب. ولكن كلما شرب ازداد عطشه. فصاح به اصدقاؤه بين حشد المتفرجين محذرين، ولكن عطشه سلبه الرشد، فاستمر يشرب. كان حائط الساحل، والفوز، قريبين الآن جد القرب. فاستمر ينظر الى الحائط بذهول وهو يطوح بمنجله... واستمر يشرب... ثم بدأت حواسه تخمد... فأثقل النعاس اجفانه، وكادت تصدر عنه حركاته بغير وعي. لم يرَ الا الحائط، وجاهد متقدماً... وبدأ يتحدث الى نفسه... وبلغ الحائط في احد طرفي قطعته. ولم يبق عليه الا ان يحصد الى الطرف الآخر وينتهي... ثلاث ربطات اخرى، ثم... أفضل رجل في انفرارا... خمسة جنيهات...
ولكن في تلك اللحظة دوى في اذنيه هتاف شديد، وطبقت صيحة أجواز الفضاء: «فاز جل!» فانطرح بودكين على الارض وهو يئن.
عن (الأدب والفن)