المخلوق أن يجد خالقه ! » وانهمرت من عينيه دمعتان : دمعة حبّ ، ودمعة حنان ...
ومرّت أشهر تسعة . هاهي نجمة عذراء لا عهد للفضاء بها من قبل ، تسطع في المشرق ،
فوق قرية حقيرة من قرى هذه الديار الحبلى بالوعود التوراتية - وعود المجيء المؤمّل
المنتظر ..
وكان أن تجسّدت الفكرة إنساناً سوياً ، ودخل الأزل في التاريخ . وهكذا
أصبح للتاريخ معنىً : فلم يعد بعدُ حلقةً مفرغةً تدور بالانسان قضاءً وقدراً ،
وتدور به ، إذن ، دون ما أمل بخلاص ورجاء بنعمة ، بل أصبح خطًّا له بدايته منذ
كان الخلق ، وله نهايته منذ كان الميلاد ...
على ان الانسان لا يكره شيئاً ولا يخاف شيئاً بقدر ما يكره النهاية ويخافها .
ياله من تعس ! لقد قبض على هذه « النهاية » ، ولبّسها بالجريمة ، وقادها مكللة بالشوك
إلى الصليب .
وتنفّس الانسان الصعداء كأنما أزاح عن عاتقه جبلاً : أما صلب « النهاية » التي
يكرهها ويخافها اكثر من أي مصير آخر ؟ بلى ! فليعد ، اذن ، إلى الاستمرار -
إلى هذا الاستمرار مهما يكن بائساً حقيرا .
هيهات ! ها هي « النهاية » تدوس الموت وتصعد إلى فوق . ورآها بعضهم ، بل
لقد وضعوا اصابعهم في أثر مساميرها ...
وانطلقت البشرى بالقيامة والصعود ... وولدت المسيحية .
وهكذا أرجئت « النهاية » وعُلّق مجيئها مرة أخرى على الايمان بها ايماناً
لا يداخله ريب .
فيا سيّد ! ياصاحب العيد ... نحن قطيع تائه شريد . صلبناك يوم كنت بيننا ،
وصلبناك ونصلبك مع كل خفقة من قلوبنا .
ونحن ، ياسيّد ، خطاة : نجّح اقدامنا للائم ، ونفرش مواطننا بالعار : كأنما
انت ما في ميلادك وموتك وقيامتك ، سراج في نهار او امياء في ليل .
ألا رحمة منك وغفرانا ! أما ترانا نعيّد يوم ميلادك ، ونهزج ، ونقرع الاجراس ،
وتزحم الكنائس ، ونوشّح الدنيا بالزهو والحبور ؟
أفلا ترحمنا ، ياسيّد ، وتغفر لنا ، ولو في هذا اليوم فحسب - يوم ميلادك
المبارك ؟
أوّاه ! متى يقبل هذا العيد فنعيّده بقلوبنا - بأعماق أعماق قلوبنا ؟ فتعود
« النهاية » مرة أخرى لنرحّب بها ترحيباً جميلاً ، وننزلها بيننا على سعة ، ونحيا بنعمتها
حياة حبٍّ وسلامٍ وخيرٍ .

