العام عام ٧٤٧ لبناء رومه .. هكذا كان الناس يؤرخون غير عالمين ان طفلاً فقيراً سيولد في ذلك العام فيقلب مولده الاوضاع .. ينسى الناس تاريخ بناء رومه ليحفظوا تاريخ مولد الطفل .
الفصل مستهل الشتاء والعالم الصغير من اقصى الجليل الى اقصى اليهودية يدب راكباً او راجلاً منتقلاً من مدينة الى اخرى. كل فرد يؤم المدينة التي ولد فيها ليسجل اسمه ... تلك كانت اوامر اغسطس قيصر التي يقصد منها احصاء سكان البلاد .
كانت ساعة المغيب الساحرة، وقد اضطجعت المدينة الصغيرة بجلال على كتف الوادي المنحدر الى قدرون ... تحيط بها اشجار التين والخوخ والرمان والكرم فتبدو وكأنها عش تظله الاغصان .
وارسلت الشمس خيوطها الذهبية مودعة، فغمرت المنزل الصغير المكون من حجرتين يوصل بينهما رواق تجثم في جانبه طاحونة القمح، وجرة الماء، وحصير ملون ملفوف وموضوع خلف الباب، وبضعة مقاعد واطئة تظللها كلها بعض التظليل شجرة التين الكبيرة المطلة باغصانها على الداخل والتي تحوم حولها المعزة البيضاء الحلوب ... وفي باحة المنزل الخارجية وقفت ابنة رب الدار تحرك عيدان الحطب المشتعلة تحت وعاء من الفخار يحتوي طعام العشاء حتى اذا ما انتهت من عملها راحت تظلل عينها بيدها مستشرفة محدقة بالطريق الضيق الوعر الموصل بيت لحم بالقدس، تمتد على جانبيه كروم العنب واشجار التين العارية من اوراقها ..
كانت القوافل تقطع الطريق قادمة الى المدينة بعضها يمتطي الجياد واكثرها يمتطي
الحمير او البغال او يسير على الاقدام، حتى اذا ما وصلت المنزل الصغير وهو اول منازل المدينة وقفت لتستريح او لطلب جرعة ماء لطفل ظاميء او لشيخ متعب، ثم واصلت سيرها . وشغلت الفتاة بما ترى فدوى صوت الام في الداخل تقول: سوسنة، راقبي الطعام، سوف يعود والدك من عمله فلا يجد العشاء معداً ... واخذت الفتاة فحركت العيدان وثار الدخان يحمل مع رائحة الطعام الشهية .. وفي تلك الدقيقة وقفت القافلة الصغيرة امام المنزل ..
حدقت سوسنة بالقادمين فاذا هما بنية تركب حمارها مثقلة الحركة في الليالي الاخيرة من شهور حملها يوافقها كهل يمسك بمقود الركوبة ... كان الكهل هادئ الحركة يسير متوكئاً على عصاه ملتفاً بعباءة خشنة اما الراكبة فقد كانت تستر رأسها وعنقها بنقاب ابيض ينسدل على ثوبها الصوفي الدافئ .. وأزاحت الشابة نقابها وهي تلقي التحية على الفتاة بصوت موسيقي قائلة: سلام الرب معك ... وتلعثمت الفتاة وحدقت بالعذراء الصغيرة وقد القت عليها
اشعة الشمس الغاربة خيوطها فبدت كتمثال حي للجمال .. ذلك الجمال الذي صوره المصورون بعد قرون فخلدوا به .. ثم تمالكت وردت التحية بمثلها قائلة عليك وعلى من يلوذ بك سلام الله ... وتكلم يوسف كأنه يخاطب نفسه، قال: اترانا نجد مكاناً للمبيت في المدينة؟ قالت الفتاة: ان الازدحام شديد ولكن لعلكم تجدان في الحين مكاناً.. وهمست مريم تقول: عسى ان يكون ذلك . ثم احنت رأسها للفتاة وسارت ورفيقها .
ودخلا بيت لحم مدينة الحب والموسيقى، مدينة راعوث وداود . لم تقابلهما بيادر الحنطة الذهبية مرتفعة هنا وهناك، تلك البيادر التي وجدت راعوث في سنابلها الغذاء فالحب .. ولم تكن الموسيقى تصدح في ارجائها .. موسيقى الراعي الجميل، تلك الموسيقى التي كانت تسكن بعذوبة بليال شاول المضطرب .. لم يكن هناك شيء من هذا بل كانت المدينة الصغيرة مكتظة بالقادمين يرن في جنباتها صدى اقدامهم وتدوي بصخبهم وصخب دوابهم


