فهل رفقهم يد مجهولة الى مدينة داوود ليرحبوا بالمولود المنتظر ؟.. وهل كانت الغيوم غيوم الخريف البيضاء تخفي وراءها الجوقة الملائكية التي تستعد لتعزف موسيقاها في سكينة الليل مبشرة بمولد رسول السلام ؟..
وقفت القافلة بباب الخان الوحيد في المدينة ... كان بناء مربع الشكل خشن الحجارة ذا طابق واحد ينقسم الى اقسام كل قسم له باب ينفذ النور منه وحول البناء سور يضم دواب المسافرين ... والقى يوسف التحية على صاحب الخان الجالس على دكة خشبية هناك وطلب مأوى .. ولم يكن الامر سهلاً فقد امتلأ الخان بضعفي العدد الذي يتسع له ولكن لابنة يواكيم مقاماً وهكذا قدم الرجل لها المغارة المجاورة للخان ...
كانت المغارة كباقي الكهوف الطبيعية التي تكثر حول المدينة وقد تكدست اكوام الغلال فيها وامتدت المعالف والمداود في جنباتها وقد احنى البواب رأسه ليستطيع الدخول اليها ففعل المسافران فعله.. واعتذر الرجل، وشكره المسافران فالمأوى في الليلة الباردة لا بأس به ...
ران الكرى على الاجفان المتعبة واستسلم كل من في الخان لاحلامه .. حتى الرعاة في السهل الممتد تحت الجرف العالي الذي تتكىء عليه المدينة وخانها .. حتى الرعاة في ذلك السهل التفوا حول النار يقصون اقاصيصهم حتى اذا ما خمدت اقتربوا منها والتف كل بعباءته مستسلماً لنوم هنيء .
وبغتة استنارت الدنيا بنور غريب.. واستضاء الكون فبدت الخراف والرعاة والحقل باشجاره وكأنها في رابعة النهار... وصاح احد الرعاة وقد ذاب قلبه رعباً: ايها الرفاق استيقظوا ان السماء تشتعل .. واستيقظ الجميع، ومعت الخراف، وعوت الكلاب ، وانطرح الرعاة على وجوههم
رعباً.. واذا بصوت موسيقي هادئ يقول لا تخافوا انها بشرى : ولد لكم وللناس مخلص طفل مضطجع في مذود.. وعزفت السماء الحانها وغنت الملائكة انغامها وتوارى حفيف الاجنحة ، وتحرك الرعاة . وقال الواحد: انها بشرى. وقال الثاني: ولد لنا مخلص. وقال الثالث: هنا في بيت لحم في مذود ، هلموا نرى ليس من مذاود الا في المغارة الواحدة مغارة الخان.. هلموا نرى.
مر الرعاة بالمنزل الصغير في طريقهم الى الخان .. كانت اصواتهم تعلو فالرؤيا قد هيجت عواطفهم والاناشيد لا تزال ترن
في آذانهم .. سمعت سوسنة الاحاديث فقد هيجت عواطفها كذلك وارقتها صورة الشابة الراكبة على حمارها تسدل عليها اشعة الشمس خيوطها الذهبية فتبدو كشيء قدسي ينحدر من السماء .. اصغت الى احاديث الرعاة ثم اقتربت من امها وهتفت .. اماه لقد حدثت اعجوبة هذا المساء لقد ولد المسيّا ...
بعد لحظات كانت العائلة الصغيرة تتبع الرعاة وكل من في الخان يتجمع حول الطفل في المذود منشداً: لقد ولد لنا مخلص ، فعلى الارض السلام .

