

احتفل لبنان حكومة وشعباً بذكرى ثورة ٢٢ تشرين الثاني التي دخلت في التاريخ اللبناني كأمجد صفحة من صفحاته . وقد كان للمرأة نصيب كبير فيها . وها نحن ننشر كلمتها بهذه المناسبة العظيمة .
يشكر الاتحاد النسائي اللبناني العربي للإذاعة إشراكها المرأة في هذا اليوم السعيد ، عيد الجمهورية اللبنانية المستقلة ، شاعرة أنها الجزء المكمل للرجل ، فيسمح لصوتها الضعيف أن يتعالى ويمتزج بين أصوات أقطاب الرجال ـ رؤسائهم وحكامهم ـ فيؤلف ألحاناً موسيقية تشدو الأنشودة الأولى للذكرى الرائعة لاستقلال لبنان واسترجاعه سيادته وكرامته .
في هذه الفترة منذ ثلاث سنين خلت سارت في لبنان صيحة أيقظت رجاله ونساءه ، فتعاقدوا وسط الزعازع على بناء عهد جديد واستقلال مجيد .
وفي مثل هذا اليوم تنازل الرجل عن بعض من أنانيته وصادق على أن لا موسيقى متزنة ولا أنغام عذبة يغتبط لها المرء ويطرب لها السامعون ، ويعترفون بحسن توقيعها وائتلافها وتأثيرها ، في النفوس والقلوب ، إنْ فُقد منها وتر واحد .
لذلك سار الرجل والمرأة يداً بيد ينشدان أغنية الاستقلال والكرامة ، ويشيّدان الأسس لبناء وطن عزيز غالٍ لا شريك لها فيه غير النضال في سبيل الحرية فلا تبقى البلاد مشاعاً لكل غريب ، يخطان خطوطها الكبرى لتبرز القومية الصحيحة المبنية على أنبل الأخلاق وأسمى القيم .
وفي مثل هذا اليوم تمثل الأمل الباسم
في اللحاق بالأمم العريقة ، فسار الركب في هذا اليم الزاخر تقوده يد ربان ماهر أحسن القيادة وبدأ بإزالة الحواجز والسدود ، فسارت السفينة تتخبط بمدّ البحر وجزره ، إلى أن قاربت الوصول إلى الميناء الأمين .
وإذا لبنان الجبل الأشم بعد أن أدمن على الاتكال وهو مكبل بقيود الانتدابات والوصايات ينعتق فجأة ويمارس حقه في الحرية وفي السيادة ، وتسلّم زمام أموره بيديه فكان مجلياً حقاً .
وفي هذا اليوم تتجلى في رؤوسنا تيارات فكرية رسمنا لها صوراً ومشاهد ، يحدونا أمل مشع وقلوب رحبة لأن نسعى أفراداً وجماعات لإرجاع عزّنا التليد ومجدنا الغابر . وترسم لنا هذه التيارات الفكرية التي تشع في سماء آمالنا تعاوناً وثيقاً في بناء لبنان الحديث تضم أهدافنا ومساعينا لتعزيز هذا المجتمع وتحسينه ، لخيره وإصلاحه ، وضم عناصرنا وطوائفنا في صعيد واحد فلا تزعزعها التفرقة ، بل يزيدها إشراقاً هذا الاتحاد الذي تشدو فيه قوادنا وأفرادنا ، رجالنا ونساؤنا على السواء ، نعم والنساء أيضاً ، لأن كل عمل لا يقوم على أكتاف الفريقين ، فهو عمل مبتور .
أوَ لم يكن لرنّة أصوات النساء لثلاث سنين خلت سحرٌ ـ ولشعورهن بالواجب ويقظتهن صيحة ـ انبعثنا على أثرها صيحات الرجال ، وانبثقت راية الجهاد تتهادى في أفق لبنان ، راية حرّرته من العبودية ومن التذبذب فخلق لنفسه راية الأرزة الحرة التي خفقت في كل بلاد العالم المتمدن حيث يدعو مثواه للتعرف إلى مؤهلاته وقيمه ، وحيث أدهش العالم هذا الفريق
من الرجال ، بسعة اطلاعه وذكائه وعبقريته، وحيث شارك شقيقاته العربيات حلّ المشاكل وإبلاغ رسالة لبنان الفكرية والدفاع عن حق فلسطين السليب .
هذا العيد هو عيد الحرية الأكبر الذي حررنا من الخنوع والاستسلام ، فرأينا بلادنا بأيدينا ووطننا حراً كسائر الأوطان يشارك في حلّ طلاسم العقد العالمية ويجلو كربة النفوس ويعتلي مركزه الأسمى بين القادة والزعماء .
وهل كالحرية ما يسيّر الحياة ، فتدب فيها الروح مرحة فضفاضة لا يقف في سبيلها استعباد ولا عدوان ولا تضليل فهي كالماء والهواء للبشر لا حياة لهم بدونها ، تكمن أحياناً بشعب لأسباب قاهرة تتسلط عليه ، ولكنها تعود لتحيا وتزدهر ما دام أوارها يستعر في نفوسهم فتعمل بوحيها الصادق الآبي لتصل إلى قيمها العليا وأهدافها السامية .
فكيف بلبنان منبع الحريات ومهد الديانات والروحيات ، ألا يجدر به أن يبعث السلام منه فتبقى له تلك الصفة الروحية الفريدة وذلك التفوق ، فتسطع أنواره وتنشق على العالم كله ديانة جديدة تسحق بأشعتها بواعث التفرقة ، وتضم الأديان والعناصر والأجناس والألوان لتتمثل بإنسانية شاملة واتحاد عام فريد يبدأ بنوه باعتناقها والتبشير بها .
وفي هذا العيد تتجدد آمال المرأة فترجو أن تحقق أمانيها وتستغل ممكناتها لتهيمن بروحها وقلبها على هذا الركب السائر بلبنانها الغالي إلى الحرية والسلام ، هذا الركب الذي هو شطر من نفسها وجزء من قلبها ، والذي يقدم له الاتحاد النسائي اللبناني العربي تهانيه ويرفعها أولاً إلى فخامة رئيس الجمهورية المحبوب وإلى حكومته الكريمة .
عاش لبنان حراً عزيزاً لأجيال ودهور .
( تليت في الإذاعة اللبنانية )