طوبى لهذا الوليد الحلو ، يسمونه ادباً ، لا تغفو مقلتاه لحظة ، بل تظلان مفتوحتين رحبتين كالأفق ، فتربان ما يُرى وما لا يرى ، وتظل اذناه مصغيتين ، فلا يمر نغم دون ان يطنطن فيها ، فاذا ما رأى وسمع ، تاق ان يعرض لمن ضمتهم الحياة مكفوفين صمّاً ، وما اكثرهم ، ذاك الذي توصل الى حواسه ، فتوقع انامله النورانية الحاناً وتتمتم شفتاه الرقيقتان ثمرات خافتة ، فاذا ما حملها النسيم ضج البحر من شدة ضجيجها .
اذا فان تعرّف الأدب على الميلاد طبيعي ، وان هذه الصداقة التي شملتهما ليست بدعة تستغرب ، ولذا كان لنا هذا الباب الأدبي الواسع الذي نسمه بـ « ادب الميلاد » .
شأن المحبين ، يتلاقى روحاهما قبل ان يولدا ، تلاقى الأدب والميلاد قروناً قبل الميلاد . فذكر الأدب القديم حادث الميلاد الذي سيكون ، وقرأ ذلك الناس ، وقالوا : نبوات يرسلها هؤلاء الملهومون . قرأوا شعراء فلسطين ، موطن الميلاد ، كاشعياء يصف شعلة النور التي سيراها قاطنو ارض الظلام ، عن الطفل الذي سيتقلد الحكم على كتفيه وسيدعى أبا أبديا أمير السلام ، قرأوا في ديوانه عن ذلك العنب الذي سيبعث وسيحمل اثمارا ، عن الطفل الذي سيصرع الأشرار بنفس شفتيه وسيحكم الأرض فيرقد في حكمه الذئب والحمل وتتصادق البقرة والدب . وقرأوا في « منبجا » عن ذلك الذي سيخرج من بيت لحم الصغيرة ، القرية الوديعة بين القرى . وقرأوا في ذلك النفر من الشعراء الانبياء عن عمانوئيل ومولده ، قصائد متعددة . بل قرأوا في التوراة بمجموعها ملحمة رائعة ، تتدرج من خلق العالم الى الخطيئة الى جهاد الانسانية حتى تصل الى الخلاص بالميلاد وما تلاه .
تلاقى الأدب والميلاد قروناً قبل الميلاد في ادب فلسطين العبري ، وتلاقيا سنوات
قبل الميلاد في ادب روما اللاتيني ، فخط فرجيل نشيده الرابع ، يتحدث فيه عن وليد سيبعث قريباً في الوجود ، فيعيد للارض عصرها الذهبي وتأتي معه البراءة والحق ، ويعم الكون سلام . قرأ الناس ذلك وتلفتوا دهشين يسألون من قصد رب شعراء اللاتين ؟ وقال متدينو القرون المتوسطة : قصد طفل الميلاد ، فسموا فرجيل النبي - أترى كيف يحاك من الشعر وشاح نبوة !
ويلتقي الحبان ، فتجد في لمحة التلاقي عصارة اجيال ، لكن ما يقولان همس ووشوشات ، همس عذب ووشوشات سحرية . وكذا كان ذكر الادب للميلاد لمّا كان الميلاد . كذا كان الفصلان المقتضبان الحلوان ، كتب واحداً منها متى والآخر لوقا ، اديبان من فلسطين ، باليونانية ، فاذا بالناس يحفظون ما قالا ويكنزونه في صدورهم ، واذا هذا الوصف لبشارة الملاك ، والرحلة الى بيت لحم ، والوضع في المذود ، وهدايا المجوس ، وبشرى جند الله للرعاة ، والنفس السماوي الذي ترجم بالقول : « المجد لله في الأعالي ، وعلى الارض السلام ، وبالناس المسرّة » ،
ــ اذا هذا كله يضحى جزءاً من الأدب العالمي ، نكرره كل عام وكأنه جديد وكأن سحره بكر .
ويفترقان ، واي حبيبين لا يفترقان ، لكن واحدهما امين للآخر ، يقسم له انه ان نسيه فلتنسه يمينه ، - افكونان قد افترقا؟ ان في نفثات البعاد اطياب شذاها شذى العناق... لذا كان ادب الميلاد بعد الميلاد بحراً واسعاً عميقاً ، تسبح فيه اذا شئت ، لكنك تعود ولا تقطع منه الا اذرعاً .
بعض هذا الأدب ديني : ففي اللاهوت ابحاث وابحاث عن الميلاد ومشكلاته ، وفي الوعظ عظة على الأقل كل عام لكل واعظ في كل كنيسة في هذه المعمورة ، وفي الشعر الديني ، في كافة اللغات ، ترانيم لا حصر لها عن الميلاد . وبعض هذا الأدب في ادبي صرف ، يتراءى للقارىء بشكل مسرحية مرة ، وبشكل رواية مرة أخرى ، وبشكل قصة تارة ، وبشكل قصيدة طوراً . وليس القصد هنا اعطاء « قائمة مراجع » ليس فيها سوى تعداد ما ألف في سائر اللغات من ادب يتعلق بالميلاد ، فذاك يحتاج إلى صفحات عديدة . على اننا نثبت ان الادب العالمي قد تأثر كثيراً بالميلاد : فعدا الكتب التي تصف سيرة يسوع وتكرّس قسماً منها لمولده ، نجد ادب الميلاد في قطع مستقلة . فهناك المسرحية : والقارىء يعرف ان المسرحية الانكليزية لم تبعث في الوجود لولا قرون من المسرحية الدينية مثلها الرهبان والقساوسة داخل الاديرة والكنائس ، ضاربين صفحاً بطبيعة الحال عن مسرحيات الكلاسيكيين في اثينا وروما وعائدين في مادة مسرحياتهم الى بطون الكتب المقدسة ، حيث وجدوا مادة خصبة في الاقاصيص والحوادث ، التي كان في طليعتها الميلاد . فمثلوا قصة الميلاد ، واولعوا بتمثيل دور الرعاة ، والمجوس ، والملائكة ، وقتل الأطفال ، وتصوير


